وقيل : إنّه كان يمشي يوما على أثر الفقراء « 1 » ، وكذلك كانت عادته ، فقال إنسان : يقال : هؤلاء المستحلّون ، وبسط لسانه فيهم ، وقال في أثناء كلامه : إنّ واحدا منهم استقرض منّي مئة درهم ، ولم يردّ عليّ عوضها ، ولست أدري أين أطلبه . فلمّا دخل أبو عبد اللّه مع أصحابه إلى دار صاحب الدّعوة ، وكان ذلك الرّجل من محبّي الفقراء ، قال له : ائتني بمئة درهم ، إن أردت سكون قلبي . فأتاه بها في الوقت ، فقال لبعض أصحابه : احمل هذه الدّراهم إلى البقال الفلاني ، وقل له : هذه المئة درهم التي استقرض منك بعض أصحابنا ، وكان قد وقع له في تأخيرها عنك عذر ، وقد بعث بها الآن ، فاقبل عذره . فمضى الرّجل ، وفعل ما أمره به ، فلمّا رجعوا من الدّعوة ؛ اجتازوا بحانوت البقال ، فأخذ البقال ، وشرع في مدحهم ، وقال : هؤلاء السّادة الثّقات الأمناء الصّلحاء . وبالغ في ذلك « 2 » .
وروي : أنّه دخل يوما دار بعض أصحابه ، فوجده غائبا ، فرأى فيها باب بيت مقفلا ، فقال : صوفيّ له باب مقفل ؟ ! اكسروا القفل . فكسروه ، وأمر أن يباع جميع ما وجدوه في البيت والدّار ، فباعوه في السّوق ، وأصلحوا بالثّمن وقتا ، وجلسوا في الدّار ، فدخل صاحب المنزل ، ولم يقل شيئا . فدخلت زوجة الرّجل بعدهم إلى الدّار ، وعليها كساء ، فدخلت بيتا ، ورمت بالكساء ، وقالت : يا أصحابنا ، هذا من جملة المتاع أيضا ، فبيعوه . فقال لها الزّوج : لم فعلت هذا وتكلّفتيه ؟ . فقالت له : اسكت ، مثل الشّيخ يباسطنا ويحكم علينا ، ونبقي لنا شيئا ندخره عنه « 3 » .
* * *
هامش
( 1 ) في ( أ ) : على أثر أصحابه الفقراء .
( 2 ) الرسالة القشيرية 118 .
( 3 ) المختار 1 / 308 ، مختصر تاريخ دمشق 3 / 168 ، طبقات الأولياء 56 .