إلى اللّه فسلكه ، ثمّ رجع عنه ، عذّبه عذابا لم يعذّب به أحدا من العالمين « 1 » .
وسئل عن إقبال الحقّ على العبد ، فقال : علامته إدبار الدّنيا عن العبد « 2 » .
وقال : خرجت من مصر أريد الرّملة للقاء أبي علي الرّوذباري ، فقال لي عيسى بن يوسف المصري المعروف بالزّاهد « 3 » : إنّ في صور شابّا وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة ، فلو نظرت إليهما نظرة لعلّك تستفيد « 4 » منهما . فدخلت إلى صور وأنا جائع عطشان ، وفي وسطي خرقة ، وليس علي كتفي شيء ، فدخلت المسجد ، وإذا شخصان جالسان مستقبلا القبلة ، فسلّمت عليهما ، فما أجاباني ، فسلّمت ثانيا وثالثا ، فلم أسمع الجواب ، فقلت : ناشدتكما باللّه إلّا رددتما عليّ السّلام . فرفع الشّابّ رأسه من مرقّعته ، فنظر إليّ وردّ السّلام ، وقال لي : يا بن خفيف ، الدّنيا « 5 » قليل ، وما بقي من القليل إلّا القليل ، فخذ من القليل الكثير ، يا بن خفيف ، ما أقلّ شغلك حتّى تفرّغت إلى لقائنا ! فأخذ كلّيتي ، فنظر إليّ ، وطأطأ رأسه في المكان ، فبقيت عندهما حتّى صلّينا الظّهر والعصر ، فذهب جوعي وعطشي ونصبي ، فلمّا كان وقت العصر ، قلت له : عظني .
فرفع رأسه إليّ ، وقال لي : يا بن خفيف ، نحن أصحاب المصائب ، ليس لنا لسان العظة . فبقيت عندهما ثلاثة أيام ، لا آكل ولا أشرب ولا أنام ، ولا رأيتهما أكلا ولا شربا ولا ناما ، فلمّا كان في اليوم الثّالث قلت في سرّي : أحلّفهما لعلهما يعظاني ، لعلّي أنتفع بعظتهما . فرفع الشّابّ رأسه ،
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 537 ( رؤيا القوم ) ، تهذيب الأسرار 558 ، المختار 4 / 363 .
( 2 ) المختار 4 / 363 ، طبقات السبكي 3 / 154 .
( 3 ) في طبقات السبكي 3 / 153 : المصري المغربي الزاهد .
( 4 ) في ( أ ) : لعلك تشفيك .
( 5 ) في ( أ ) : متاع الدنيا .