أضعاف ذلك ، فعدت ركبت تلك السّمّارية ورجعت إلى بغداد ، فلمّا بلغت دار الخلافة « 1 » إذا جارية تغنّي له في التّاج « 2 » وتقول :
أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا * أنا ذاك لا أنساك ما هبّت الصّبا
قدمت على قلبي كما قد تركته * كئيبا حزينا بالصّبابة متعبا
فلمّا سمعت غناءها طرحت نفسي في دجلة ، فقيل : أدركوا الرّجل .
فأخذت إلى الشّاطئ ، فقال المقتدر : من هذا ؟ قالوا : أبو بكر الشّبلي .
فحملت إليه ، وأوقفت بين يديه ، فقال لي : يا أبا بكر ، يبلغنا عنك في كلّ وقت أعاجيب ، فما هذا ؟ فقصصت عليه القصّة وخرجت « 3 » .
وقال أبو العباس البغدادي : كنّا جماعة من الأحداث ، نصحب أبا الحسين بن أبي بكر الشّبلي ، وهو حدث يكتب الحديث ، فأضافنا ليلة أبو الحسين ، فقلنا له : بشرط أن لا يدخل علينا أبوك . فقال : لا يدخل ، فدخلنا داره ، فلمّا أكلنا إذا نحن بالشّبلي ، وبين كلّ إصبعين من أصابعه شمعة ، ثماني شموع ، فجاء وقعد في وسطنا ، فاحتشمنا منه ، فقال لنا :
يا سادة ، عدّوني فيما بينكم طست شمع . ثمّ قال : أين غلامي أبو العباس « 4 » ؟ فتقدّمت إليه ، فقال لي : غنّ الصّوت التي كنت تغنّي .
ولمّا بلغ الحير * ة حادي جملي حارا
فقلت احطط بها رحلي * ولا تعبأ بمن سارا
فغنيته ، فتغيّر ، وألقى الشّموع من يده ، وخرج « 5 » .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : دار المؤمنين .
( 2 ) التاج : اسم لدار مشهورة جليلة المقدار واسعة الأقطار ببغداد ، من دور الخلافة ، كان أول من وضع أساسها وسماها بهذه التسمية أمير المؤمنين المعتضد . معجم البلدان .
( 3 ) تاريخ مدينة دمشق 66 / 73 ، المختار 2 / 301 .
( 4 ) في ( أ ) : أين فلان أبو العباس .
( 5 ) تاريخ مدينة دمشق 66 / 71 ، 72 ، المختار 2 / 302 .