وقيل له : هل يتحقّق العارف بما يبدو له ؟ فقال : كيف يتحقّق بما لا يثبت ؟ وكيف يطمئن بما لا يظهر ؟ وكيف يأنس بما لا يخفى ؟ فهو الظّاهر الباطن ، والباطن الظّاهر . ثمّ أنشأ يقول :
فمن كان في طول الهوى ذاق سلوة * فإنّي من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شيء نلته من نوالها * أمانيّ لم تصدق كلمحة بارق « 1 »
وقال : كيف يصحّ لك التّوحيد ، وكلّما ملكت شيئا ملكك ، وكلّما أبصرت شيئا أسرك ؟ « 2 » .
وقال : رئي أنّه كان في يوم عيد خارجا من المسجد ، وهو يقول :
إذا ما كنت لي عيدا * فما أصنع بالعيد ؟
جرى حبّك في قلبي * كجري الماء في العود « 3 »
وقال له رجل : هل شاهده أحد بحقيقته ؟ فقال : الحقيقة بعيدة ؛ ولكن ظنون وأمانيّ وحسبان ، وأنشد :
وكذّبت طرفي فيك والطّرف صادق * وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع
ولم أسكن الأرض التي تسكنونها * لكي لا يقولوا إنّني بك مولع
فلا كبدي تهدا ولا لك رحمة * ولا عنك اقصاء ولا فيك مطمع « 4 »
فإذا تراءى له تحقيق حال ، شوّشه بالتّلبيس والإشكال « 5 » .
هامش
( 1 ) طبقات الصوفية 347 ، المختار 2 / 306 . والبيتان لمجنون ليلى الديوان 212 .
( 2 ) طبقات الصوفية 347 ، المختار 2 / 307 .
( 3 ) طبقات الصوفية 345 .
( 4 ) طبقات الصوفية 347 ، وذكرها السلمي أيضا صفحة 276 منسوبة إلى طاهر المقدسي ، وهي في ديوان الشبلي صفحة 143 في القسم الذي نسب له . قال جامع الديوان : وهي للحارثي . انظر سر الفصاحة صفحة 224 .
( 5 ) طبقات الصوفية 347 .