ثمّ بكى ، وقال : بلى ، يا جواد ، فإنّك أوجدت تلك الجوارح ، وبسطت تلك الهمم ، ثمّ مننت بعد ذلك على أقوام بالاستغناء عنهم ، وعمّا في أيديهم ، فإنّك الجواد كلّ الجواد ؛ لأنّهم يعطون عن محدود ، وعطاؤك لا حدّ له ولا صفة ، فيا جواد يعلو على كلّ جواد ، وبه جاد كلّ من جاد « 1 » .
وقال : رفع اللّه قدر الوسائط بعلوّ همتهم ، فلو أجرى على الأولياء ذرّة مما كشف للأنبياء عليهم السّلام لبطلوا وتقطّعوا « 2 » .
وقال بعضهم : كنّا يوما في بيته ، فأخّر العصر ، ونظر إلى الشّمس وقد تدلّت للغروب ، فقال : الصّلاة يا سادتي . وقام فصلّى ، وأنشأ يقول مداعبا وهو يضحك : ما أحسن من قال :
نسيت اليوم من عشقي صلاتي * ولا أدري عشائي من غدائي « 3 »
فذكرك سيّدي أكلي وشربي * ووجهك إن رأيت شفاء دائي « 4 »
وقال بعضهم : كنت يوما واقفا في حلقته ، فسمعته يقول : الحقّ يفني بما به يبقي ، ويبقي بما به يفني ، ويفني بما فيه بقاء ، ويبقي بما فيه فناء ، فإذا أفنى عبدا عن إيّاه ، أوصله به ، فأشرفه على أسراره . وبكى وأنشد على أثره :
لها في طرفها لحظات سحر * تميت بها وتحيي من تريد
وتسبي العالمين بمقلتيها * كأنّ العالمين لها عبيد
ألا حظها فتعلم ما بقلبي * وألحظها فتعلم ما أريد « 5 »
هامش
( 1 ) طبقات الصوفية 346 ، المختار 2 / 304 .
( 2 ) طبقات الصوفية 346 ، المختار 2 / 306 . وفي ( أ ) : لبطلوا وانقطعوا .
( 3 ) في ( ب ) : من غداتي .
( 4 ) طبقات الصوفية 344 ، وفي ( ب ) : شفاء ذاتي .
( 5 ) طبقات الصوفية 346 .