وقال : لي شروط : لا أسأل ، ولا أعرّض « 1 » ، ولا أردّ ، ولا أمنع ، فإن جلست فاجلس ، وإن سكتّ فاسكت ، وإن قمت فقم . وجاور بمكّة سنة ثلاث وتسعين ، فلم ينم ولم يتكلّم ، ولم يستند إلى عمود ولا حائط ، ولا مدّ رجليه . فعبر عليه أبو بكر الكتّاني ، فسلّم عليه ، وقال له : يا أبا محمد ، بما قدرت على اعتكافه ؟ فقال : علم صدق باطني ، فأعانني على ظاهري . فأطرق الكتّاني ، ومشى مفكّرا فقال الجريري رحمه اللّه :
شكرتك لا أنّي أجازيك منعما * بشكر ولا كي ما يقال له شكر « 2 »
وأذكر أيّامي لديك وحسنها * وآخر ما يبقى على الذّاكر الذّكر « 3 »
وقال : يجب على الإنسان أن يفكّر في صغره وكبره ممّا فيه من العلم ، وفي طاعته ومعصيته وجهله ، وفي صدقه وكذبه ، وسنيه وأيامه ولياليه ومدّته ، ويقعد بين يدي اللّه ، وتكون قعدته فرارا من كلّ ما تسكن إليه النّفوس ، ولا يشتغل بما يسمع ولا بما يعلم ، بل يكون فكره في بذل المجهود إلى ما يوصله « 4 » إلى مجالسة اللّه تعالى ، وهذه قعدة الأنبياء عليهم السّلام .
وقال : لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ، ولكن بقدر عظمته ، ولم يؤمّن الخائفين بقدر خوفهم ، ولكن بقدر جوده وكرمه ، ولم يفرّح المحزونين بقدر حزنهم ، ولكن بقدر رأفته . فما ظنّك بالرّحمن الرّحيم ، الذي يتودّد إلى من يؤذيه ؟ فكيف بمن يؤذى فيه ؟ وما ظنّك بالتّواب الرّحيم ، الذي يتحبّب إلى من يعصيه ، فيغذيه بأنواع الطّيبات ؟ فكيف بمن يترضّاه ، ويختار سخط العباد فيه ؟ « 5 »
هامش
( 1 ) في ( ب ) : ولا أعترض .
( 2 ) في المختار 1 / 321 : سأشكر . . . بشكري ولكن كي يقال له شكر .
( 3 ) تاريخ بغداد 4 / 432 ، المختار 1 / 321 .
( 4 ) في ( أ ) : المجهود على ما يواصله .
( 5 ) المختار 1 / 323 ، 324 .