وقال : كنت في مدينة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فانكسف القمر ليلة جمعة ، فخرجت أنظر إليه ، وإذا به أسود مكتوب في وسطه بالنّور : أنا وحدي . فغشي عليّ حتّى أصبحت .
وقال : إنّ للّه عبادا ربط همومهم بأزمّة التّيقّظ عن وجل « 1 » الفتور ، وحرس نيّاتهم عن قبول طوارق الإعلال ، وساس أذهانهم بكلاية الحفظ ، واقتطع إرادتهم من التّطلّع إلى غيره ، وروى جوارحهم من محبّة الاتّصال « 2 » بخدمته ، وأظمأ قلوبهم من الاشتياق إلى رؤيته ، وأنفذ عقولهم في حكمة « 3 » صنعته ، وأطلع أفئدتهم على قرب مراقبته ، وجوّل أرواحهم بين نسيم علم صفاته ، وأدناهم إدناء من أنس به ، وناجاهم مناجاة من أمّنه ، وفاوضهم مفاوضة من ارتضاه لسرّه ، وأودعهم من ذخائر كنوزه التي لم ير لها محلّا غير ضمائرهم ممّا لا يعلمه غيرهم ، سيماهم الحياء في حال الإدناء ، والإطراق عند ملاحظة النّظر ، والوقار في مواطن المجالسة ، والإنصات لفهم حلاوة المخاطبة عند الإكرام
أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ المجادلة : 22 ] .
وقال : اجتمعنا عند أبي جعفر الحفّار بباب الشّام « 4 » ، وكان معنا الجنيد ، وأبو صالح الملاعقي ، وأبو العباس بن مسروق ، وكان معنا قوّال ، فابتدأ وقال ، فتواجد أبو صالح حتّى انقطع . ثمّ وقع ، وقام ابن مسروق فتواجد ، وخرج بلا نعل ، وبقيت أنا والجنيد ، فقلت : يا سيّدي ، مالك فيما جرى شيء ؟ فقال :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ النمل : 88 ] . ثمّ قال : فأنت مالك في السّماع شيء ؟ فقلت : بلى ، ولكن ربّما حضرت مع من أجلّه وأكرمه ، فأمسك نفسي مع وجدي ، فإذا خلوت
هامش
( 1 ) في ( ب ) : التيقظ ، ورعى عن وجهم .
( 2 ) في ( ب ) : من محبته للاتصال .
( 3 ) في ( ب ) : في حكم .
( 4 ) باب الشام : محلة كانت بالجانب الغربي من بغداد . معجم البلدان .