والوقوف على حدّ الانحسار نجاة ، واللّياذ بالهرب من علم الدّنوّ وصلة ، واستفتاح فقد ترك الجواب ذخيرة ، والاعتصام من قبول دواعي استماع الخطاب تكلّف « 1 » ، وخوف فوت علم ما انطوى من فصاحة الفهم في حين الإقبال مساءة ، والإصغاء إلى ما يفضل من معدنه بعد ، والاستسلام عند التّلاقي جرأة « 2 » ، والانبساط في محلّ الأنس غرّة « 3 » .
وقال : رأيت في المنام كأنّ قائلا يقول : لكلّ شيء عند اللّه حقّ ، وأعظم الحقوق عند اللّه حقّ الحكمة ، فمن جعل الحكمة في غير أهلها طالبه اللّه بحقّها ، ومن طالبه بحقّها خصم « 4 » .
وقيل له : متى يسقط عن العبد ثقل المعاملة ؟ فقال : هيهات ، لا بدّ منها ؛ ولكن يقع الحمل فيها « 4 » .
وقال : أدلّ الأشياء على اللّه ثلاثة : ملكه الظاهر ، ثمّ تدبيره في ملكه ، ثمّ كلامه الذي يستوفي كلّ شيء « 4 » .
وقال : من استولت عليه النّفس صار أسيرا في حكم الشّهوات ، محصورا في سجن الهوى ، حرّم اللّه على قلبه الفوائد ، فلا يستلذّ بكلامه ولا يستحليه ، وإن كثر ترداده على لسانه ؛ لأنّه سبحانه وتعالى يقول :
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
[ الأعراف : 146 ] . قال :
حتّى لا يفهمونه ، ولا يجدون له لذّة ؛ لأنّهم تكبّروا بأحوال النّفس والخلق والدّنيا ، فصرف اللّه عن قلوبهم فهم مخاطباته ، وأغلق عليهم سبيل فهم كتابه ، وسلبهم الانتفاع بالمواعظ ، وحبسهم في عقولهم وآرائهم ، فلا يعرفون طريق الحقّ ولا يسلكون سبيله « 5 » .
هامش
( 1 ) في طبقات الصوفية : الخطاب تلطف .
( 2 ) في ( ب ) : عند البلاء في جرأة .
( 3 ) طبقات الصوفية 260 .
( 4 ) طبقات الصوفية 261 ، حلية الأولياء 10 / 348 .
( 5 ) طبقات الصوفية 262 ، الرسالة القشيرية 88 ، المختار 1 / 322 .