وقال : استولى عليّ الشّوق في ابتداء أمري ، فألهاني عن الأكل والشّرب ، وقطعني عن النّوم ، فرأيت بعض اللّيالي في المنام كأنّي دخلت الجنّة ، فرأيت قصرا عظيما رفيعا ، فقلت : لمن هذا القصر ؟ فقيل :
لمحمد بن يوسف « 1 » ، ثم أفضيت إلى قصر آخر مثله ، فقلت : لمن هذا ؟
فقيل لي : لك يا أبا الحسن . فاطّلعت على لعبة غلب ضوء وجهها كلّ شيء ، فنظرت إليها ، فأدبرت وهي تقول : أنت لا ترغب فينا . فإذا أنا بصوت ما سمعت نغمة أشجى ولا أحسن منها ، وهي تقول :
مقيم للخليل بكلّ قلب * على الرّضراض « 2 » للخطر العظيم
فظننت أنّها تعنيني « 3 » .
وروي أنّه كتب إلى الجنيد [ و ] صدّر كتابته : توّجك اللّه تاج بهائه ، وحلّاك حلية أهل أوليائه « 4 » ، وأودعك ودائع أحبّائه ، وجعلك من أخلص خلصائه ، وأشرف بك على عظيم بيانه « 5 » ، وهداك وهدى بك على كلّ حال مع ما يرد عليك من دوام الإقبال ، وحباك مع ذلك بالوصل والاتّصال ، لتكون يا أخي بين يديه راجي البال « 6 » ، وتعلو رفعتك على كلّ عال « 6 » .
وقال : ليس موتي كموتكم بأعلال وأسقام ، إنّما هو دعاء وإجابة ، أدعى فأجيب . فكان كما قال ، وذلك أنّه كان يوما قاعدا في جماعة ، فقال : لبّيك . ووقع ميّتا « 7 » .
هامش
( 1 ) هو محمد بن يوسف بن معدان المعروف بالبناء ، أبو عبد اللّه الأصبهاني عروس الزهاد ، وهو من أجداد أبي نعيم صاحب الحلية . سير أعلام النبلاء 9 / 125 .
( 2 ) الرضراض : الحصى الصغار . اللسان .
( 3 ) حلية الأولياء 10 / 404 ، المختار 4 / 53 .
( 4 ) في ( أ ) : أهل ولائه ، وفي حلية الأولياء : أهل بلائه .
( 5 ) في الحلية : عظيم بنائه .
( 6 ) في الحلية 10 / 404 : راضي البال . . . كل حال ، وفي المختار 4 / 54 : رضيّ البال .
( 7 ) حلية الأولياء 10 / 405 ، المختار 4 / 55 .