تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
أخضر مباح ، فقلت في نفسي : هذا المباح ههنا ، وأنت تريد معاشرة النّاس ومعاملتهم ؟ ! فلزمت المقابر أتقلّل من ذلك النّبق ، وآخذ منه دون البلغة حتّى فني النّبق ، ولم يبق منه شيء ، ثمّ بقيت بعد ذلك سنين قوتي العظام ، ثمّ مكثت بعد العظام قوتي الطّين اليابس والرّطب من الأنهار ، وكنت أحيانا لا أفرّق بين الطّين الرّطب إذا أخذته من النّهر وبين الخبيص من طيبته عندي ، وما وجدت لاختلاف هذه الأحوال ضعفا من عقلي ولا ضعفا من بدني « 1 » ، وكنت عند أكل الطّعام أضعف « 2 » . وقال : لا يكون شريفا أبدا من لا تسكن صفته إلّا بالغذاء ، وإذا صارت الأذكار هي الغذاء فقد وقع الشّرف الأعلى ، وامتحى الوصف الأدنى « 3 » . وقال : كنت بالبادية ، فنالني جوع شديد ، فغلبتني نفسي أن أسال اللّه [ طعاما ، فقلت : ليس هذا من فعال المتوكّلين ، فطالبتني أن أسأل اللّه ] صبرا . فلمّا هممت بذلك ، سمعت هاتفا يقول :
ويزعم أنّه منّا قريب * وأنّا لا نضيّع من أتانا ويسألنا القوى جهدا وصبرا * كأنّا لا نراه ولا يرانا
قال أبو سعيد : فأخذني الاستقلال من ساعتي ، فقمت ومشيت « 4 » . وقال : شهدت إبراهيم الهروي بمكّة ، وكان شيخا كبيرا ، فقال لنا يوما : أنا خرجت من خراسان معه على شريطة ، وذلك أنّي قلت له : أريد أن توطّئ لي البلاد والعباد ، وكان قدومه راكبا ، وقد ضعف عن المشي بعد أن كان يسيح ، قال : فبينا أنا في أرض فلاة في بعض سياحتي ، وقد بقيت أياما كثيرة لم أر فيها أحدا من النّاس ولا طائرا ولا ذا روح ، وكنت
هامش
( 1 ) في تاريخ دمشق : ضيقا من عقل ولا ضعفا من بدن . ( 2 ) تاريخ دمشق 7 / 116 ، المختار 1 / 317 . ( 3 ) الكواكب الدرية 1 / 511 ، وفيها : لا يسكن جوعه إلا بالغذاء ( 4 ) تاريخ ابن عساكر 7 / 120 ، وما بين حاصرتين مستدرك منه ، المختار 1 / 319 .