راجعون ، أخطأت فراستي فيهما . فخرجا وأنا أتبعهما حتّى وقفا على الجنيد ، فقال أحدهما : بماذا يردّ خاطر الانزعاج ؟ فقال الآخر : كلّ باد يعود إلى باديه . فقلت في نفسي : ترى ما يفعل هؤلاء ؟ فأقبل عليّ الجنيد ، وقال « 1 » : أين المغتاب لنا ؟ فقلت في نفسي : علم بي ، وتكلّم على خاطري . ثمّ قال الثّانية « 2 » : أين المغتاب لنا ؟ سلنا نجعلك في حلّ .
فقلت : يا سيّدي ، ما قلته إلّا غيرة . فقال : يا أبا بكر ، لا تتّهم أقواما انتخبهم الحقّ في سابق علمه في أزليّته ، وأظهرهم بكرامة وحدانيته ، حتّى إذا كان وقت بدوّهم ، استخرجهم من الذّرّ لخاصّته « 3 » ، وعجن أرواحهم بأنوار قدسه ، وأقامهم بين يديه ، ونظر إليهم بعين رحمته ، وألبسهم تيجان ولايته ، فإن دعوه أجابهم ، وإن سألوه أعطاهم ، وإن استحجبوه غطّاهم ، لا تدركهم خفيّات الألحاظ ، ولا يغيّرهم ترجمان الأسرار « 4 » ، فهم إليه ينظرون ، وبه في جميع الأشياء عن الأشياء مستغنون « 5 » ، فنظرت فلم أرهم « 6 » .
وقال أبو علي الرّوذباري : دخلت يوما على أبي بكر الزّقّاق ، فرأيته بحالة عجيبة ، فسكتّ ساعة حتّى رجع ، فقلت له : ما لك أيّها الشّيخ ؟
فقال : ألم تعلم أنّي اجتزت بحيرة ببعض تلك الخوخات ، وإذا شخص يغنّي ويقول :
أبت غلبات الشّوق إلّا تطرّبا * إليك ويأبى العذل إلّا تجنّبا « 7 »
هامش
( 1 ) في المختار 1 / 385 : فأقبلا على الجنيد وقالا .
( 2 ) في ( أ ) : قال الثاني .
( 3 ) في ( أ ) : لخصاصيته ، وفي المختار : لخاصيته .
( 4 ) في ( أ ) : ولا يعبّرهم ترجمان الأسرار .
( 5 ) في ( ب ) : وإليه في جميع الأشياء عن الأشياء مغيبون .
( 6 ) المختار 1 / 385 .
( 7 ) في ( ب ) : إلّا تحبّبا .