تارة بالجوع ، وتارة بالعري ، وتارة بالحاجة « 1 » . فاللّه تعالى مرّرها عليه بهذه الأسباب كما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها ، تارة تسقيه حضضا « 2 » ، ومرة صبرا ، ومرة عذبا ، وإنّما تريد بذلك مصلحته ، وما هو خير له .
وقال لإسحاق بن إبراهيم : لو طلبت منّي الدّنانير كان أيسر عليّ من أن تطلب منّي الحديث . قال : فقلت له : لو حدّثتني بفوائد ليست عندي ، كان أحبّ إليّ من أن تهب لي عددها دنانير . فقال : إنّك مفتون ، لو عملت بما سمعت ، لكان لك به شغل عمّا لم تسمع « 3 » .
وقيل له : ما الزّهد في الدّنيا ؟ فقال : القنوع ، وهو الغنى . فقيل له :
ما الورع ؟ فقال : اجتناب المحارم . فقيل : ما العبادة ؟ فقال : أداء الفرائض . فقيل له : ما التّواضع ؟ فقال : أن تخضع للحقّ « 4 » .
وروي عنه أنّه قال لبعض إخوانه : ليت أنّي أموت وأنا مخلّط « 5 » ، أخاف أن أموت وأنا مراء ، يدعى بي يوم القيامة على رؤوس الخلائق :
يا فضيل ، خذ ثواب عملك ممّن عملت له . قال اللّه تعالى :
خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
[ التوبة : 102 ] و
عَسَى
من اللّه واجب .
وقال : لا يجد العبد حلاوة الإيمان ، حتّى يعدّ البلاء نعمة ، والرّخاء مصيبة ، وحتّى لا يبالي من أكل الدّنيا ، وحتّى لا يريد أن يحمد على عبادة اللّه « 6 » .
هامش
( 1 ) في الحلية : ألا ترى كيف يزويها عنه ويمرر عليه بالجوع مرة ، وبالعري مرة ، وبالحاجة مرة كما تصنع الوالدة الشفيقة . . . وانظر سير أعلام النبلاء 8 / 383 .
( 2 ) الحضض : دواء يتخذ من أبوال الإبل . لسان العرب .
( 3 ) الخبر في السير 8 / 378 ، بدايته : وكان صحيح الحديث ، صدوق اللسان ، شديد الهيبة للحديث إذا حدّث ، وكان يثقل عليه الحديث جدا ، وربّما قال لي . . .
( 4 ) الحلية 8 / 91 ، المختار 4 / 202 ، سير أعلام النبلاء 8 / 383 .
( 5 ) في ( أ ) : خالط ، والمثبت من مختصر تاريخ دمشق 20 / 310 .
( 6 ) سير أعلام النبلاء 8 / 383 .