وإنّك هو يا حسن الوجه . ونظر إلى الرّشيد وهو يبكي ، فقال له : أعلم أنّ الأحكام قد سلبت فضيلة العدل ، وظهر في الملّة والذّمّة عدوان الأمرين ، وهو في صحيفة تدرج معك في كفنك ليوم النّشور ، وقد بدا إليك « 1 » سرعة نفاد ما أنت فيه من تقدّمك من آبائك . ثمّ نهض ، وقال : اللّه أكبر . فقلت له : يا أمير المؤمنين ، إذا افتتح الصّلاة فليس فيه حيلة . فانصرفنا ، فقال الرّشيد وهو خارج : لولا خجلي منك لقبّلت ما بين عينيه . فقلت : واللّه ، لوددت أن فعلت « 2 » .
وقال لرجل رآه مغموم : يا أخي ، أتخشى أن يكون لك رزق لا تستوفيه ؟ فقال : لا . قال : فتخشى أن يكون غير ما يشاء اللّه ؟ . قال :
لا . قال : فلأيّ شيء غمّك ، يرحمك اللّه ؟ ! « 3 »
قال إبراهيم بن الأشعث : سمعت الفضيل يقول : أتى عليّ وقت ولم أطعم فيه ثلاثة أيّام شيئا ، فبينا أنا في المسجد بالكوفة مشغول بحالي إذ أنا بمجنون قد أقبل ، وفي عنقه سلسلة « 4 » ، وفي يده حجر ، فجعل يلايمني « 5 » حتّى خشيت منه على نفسي ، ثمّ أنشأ يقول :
أرى الصّبر في الأسباب منك غريزة * فيا ليت شعري هل لصبرك من أجر « 6 »
قال الفضيل : فغيّب عنّي جنونه ما سمعت من كلامه ، فقلت له :
يا فتى ، لولا الرّجاء لم أصبر . فقال لي : وأين مسكن الرّجاء منك ؟
فقلت : موضع مستقرّ هموم العارفين . فقال : أحسنت ، واللّه إنّما هو القلب ، الهموم عمرانه ، والأحزان أوطانه ، عرفته فاستأنست به ،
هامش
( 1 ) في ( أ ) : وقد ترى ، وفي المختار 4 / 199 : وقد بدا لك .
( 2 ) المختار 4 / 198 وما بين معقوفين مستدرك منه .
( 3 ) المختار 4 / 212 .
( 4 ) في ( ب ) : وفي عنقه غلّ ثقيل .
( 5 ) كذا في الأصول ، ولعلها : يلازمني .
( 6 ) البيت في روض الرياحين الحكاية 32 :محل نبات الصبر فيك غريزة * فيا ليت شعري هل لصبرك آخر