الدّنانير « 1 » أريد تفرقته على أصحاب الجنيد وسائر الفقراء ، فوافينا بغداد ، ونزلنا في مكان أحرزنا ما كان معنا ، فقصدت جنيدا لأسلّم عليه ، وأقضي حقّه ، فوجدته في منزله « 2 » ، فباسطني بكلامه وحسن خلقه ، وكنت أختلف إليه على دائم الوقت أجالسه ، فلمّا كان ذات ليلة رأيت في المنام كأنّ الخليفة قد جاءني يدعوني إلى ضيافته ، فانتبهت ، وحدّثت بما رأيت صاحبا لي ، فقال : تنظر تأويل رؤياك هذه . فلمّا أصبحنا ، وصلّينا الصّبح ونحن جلوس إذا بالباب يدقّ ، فقام صاحبي وفتح الباب ، فإذا نحن بأبي القاسم الجنيد ، فقمنا إليه ، وسلّمنا عليه ، وجلس عندنا ساعة يحادثنا ويذاكرنا بالعلم ، ثمّ دعانا إلى دعوته في منزله ، قال عليّ بن منصور :
فتبسّمت إلى صاحبي « 3 » ، فقال لي الجنيد : ممّ تبسّمك ؟ فقلت : رأيت البارحة في النّوم كأنّ الخليفة جاءني يدعوني إلى ضيافته ، وحدّثت به صاحبي هذا حين انتبهت ، فصلّينا الغداة ، وجلسنا ننتظر ما يكون من تأويل الرّؤيا ، حتّى طرقت الباب ، فلمّا دخلت وجلست ودعوتني تبسّمت لذلك . فقال الجنيد : لقد رأيت البارحة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبا بكر الصّدّيق عن يمينه ، وعمر عن شماله ، وعليّا بين يديه ، فسلّمت على النّبيّ ، وجلست بين يديه ، فإذا رجلان قد دخلا وجلسا بين يديه ، فادّعى أحدهما على الآخر دعوى في مطالبة بحقّ ، فالتفت إليّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وقال لي : يا أبا القاسم ، احكم بينهما . فسكتّ إعظاما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، واحتشاما له ومن صاحبيه ، فأعاد القول ، فاحتشمت ولم أجب ، فأعاد الثّالثة ، فاحتشمت هيبة له وإجلالا ، فقال لي في الرّابعة : يا أبا القاسم ، احكم بينهما ، فقد ولّيتك الحكم بين الخلق . فانتبهت ، فأنا مذعور ، فجئت إليكم أتسلّى « 4 » .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : من الدنيا .
( 2 ) في ( ب ) : في مزبلة .
( 3 ) في ( ب ) : فتبسمت لذلك .
( 4 ) المختار 2 / 66 ، 67 .