وا أسفي من فراق قوم * هم المصابيح والحصون
والمدن والمزن والرّواسي * والخير والأمن والسّكون
لم تتغيّر لنا اللّيالي * حتّى توفّتهم المنون
فكلّ جمر لنا قلوب * وكلّ ماء لنا عيون
ثمّ غاب عنّا ، فكان ذلك آخر العهد به « 1 » .
وكان يوما جالسا متفكّرا مهموما ، فقيل له : ما الذي أحزنك يا أبا القاسم ؟ فقال : فقدت أنسي في الخلوة ، وفقدت الإخوان الذين كنت آنس بهم ، ودون هذا مما يهدّ البدن ، ويشغل القلب ، وأنشد :
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى * والعيش بعد أولئك الأقوام « 2 »
وقال يوما لأصحابه : أتدرون أين يذهب بكم ؟ أتدرون لم خلقتم ؟
وإلى ماذا تصيرون ؟ فاتقوا « 3 » ، واحفظوا ساعاتكم وأوقاتكم ؛ فإنّها زائلة عنكم ، غير راجعة إليكم ، والحسرة في فوتها على الغفلة [ واقعة ] ، فلو بذل أحدكم ما بذل لم يردّ وقتا من أوقاته « 4 » ، فأوصلوا أورادكم بأخراكم « 5 » ، تجدوا منفعتها في دار الإقامة ، ولا يشغلنّكم عن اللّه عزّ وجلّ قليل الدّنيا ؛ فإنّ قليل الدّنيا يشغل عن كثير الآخرة « 6 » .
وقال : كلّمت يوما رجلا من القدرية ، فلمّا كان في اللّيل نمت ، فرأيت في المنام كأنّ قائلا يقول : ما ينكر هؤلاء القوم أن يكون اللّه قبل خلقه للخلق علم أن لو خلق الخلق ، ثمّ ملّكهم أمورهم ، ثمّ ردّ إليهم الاختيار ،
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 7 / 249 ، تهذيب الأسرار 514 ، المختار 2 / 83 ، طبقات الأولياء 135 .
( 2 ) المختار 2 / 66 .
( 3 ) في ( أ ) : فافهموا .
( 4 ) في ( أ ) : من الأوقات .
( 5 ) في ( ب ) : بأخرايكم . واللفظة ليست في ( أ ) ، والمثبت من المنتقى .
( 6 ) الكواكب الدرية 1 / 577 ، وما بين معقوفين مستدرك منه .