لا يتكلّم بشيء ، فسألت أصحابه عن حاله ، فقالوا : هذا رجل أنفق عليه مئة ألف درهم ، واستدان مئة ألف أخرى أنفقها عليه ، لا يرخّص له أبو حفص أن يتكلّم بحرف « 1 » .
وقال له بعض أصحابه عند موته : ما الذي تعظنا به ؟ فقال : لست أقوى على القول . ثمّ رأى من نفسه قوّة ، فقلت له : قل ، حتّى أحكي عنك .
فقال : الانكسار بكلّ القلب على التّقصير « 2 » .
وقال أبو عثمان الحيري : سمعت أبا حفص كثيرا يقول : [ أكثر ] فساد الأحوال من ثلاثة : فسق العارفين ، وخيانة المحبّين ، وكذب المريدين .
قال أبو عثمان : فسق العارفين إطلاق الطّرف واللّسان ، والسّمع إلى أسباب الدّنيا ومنافعها ، وخيانة المحبّين اختيار هواهم على رضا اللّه فيما يستقبلهم ، وكذب المريدين أن يكون ذكر الخلق ورؤيتهم أغلب عندهم على ذكر اللّه تعالى ورؤيته « 3 » .
وسئل : أيّ الحالين للوليّ أفضل ، الصّمت أو النّطق ؟ فقال : لو علم النّاطق ما آفة النّطق ، لصمت إن استطاع عمر نوح ، ولو علم الصّامت ما آفة الصّمت ، لسأل اللّه تعالى ضعفي عمر نوح حتّى ينطق « 4 » .
وقال : إنّ اللّه دعا الخلق إليه من أربعة أبواب ، دعاهم من باب الرّضا ، فما أجابوه إلّا قليلا ، ثمّ دعاهم من باب الصّبر ، فما أجابوه إلّا قليلا ، ثمّ دعاهم من باب الذّكر ، فقال :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[ البقرة : 152 ] . يعني على دائم الوقت ، فكاعوا « 5 » عن ذلك أن يذكروه على دائم الوقت ، فما أجابوه إلّا قليلا ، ثمّ دعاهم من باب رابع وهو حسن الظّنّ باللّه ، فقال : « لا يموتنّ
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 420 ( الصحبة ) ، المختار 4 / 122 .
( 2 ) الرسالة القشيرية 437 ( أحوالهم عند الخروج من الدنيا ) .
( 3 ) الرسالة القشيرية 456 ( المحبة ) .
( 4 ) تهذيب الأسرار 455 .
( 5 ) كاعوا : جبنوا .