تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وقال لي : يا فتح ، الدّموع ! على ماذا بكيت ؟ فقلت : يا ربّ ، على تخلّفي عن واجب حقّك . قال : فالدّم لم بكيته ؟ قلت : يا ربّ ، خوفا على دموعي أن لا تصحّ لي . فقال : يا فتح ، ما أردت بهذا كلّه ؟ وعزّتي وجلالي لقد صعد إليّ حافظاك أربعين سنة ، وليس في صحيفتك خطيئة واحدة « 1 » . وقال : صحبت ثلاثين شيخا ، كانوا يعدّون جميعا من الأبدال ، وكلّهم أوصوني عند فراقي إيّاهم ، فقالوا : إيّاك ومعاشرة الأحداث ومخالطتهم « 2 » . وقال أبو عبد اللّه بن الجلاء : كنّا في غرفة عند سريّ السّقطي ببغداد ، فلمّا ذهب بعض اللّيل ، لبس قميصا نظيفا وسراويل ورداء ، وقام ليخرج ، فقلت : إلى أين في هذا الوقت ؟ فقال : أعود فتح الموصلي . فلمّا مشى في طرقات بغداد أخذه العسس وحبسوه ، فلمّا أصبح ، أمروا بضربه مع المحبوسين ، فلمّا رفع الجلاد يده ، وقفت ، فلم يقدر أن يحرّكها ، فقيل للجلّاد : اضرب . فقال : حذائي شيخ واقف ، يقول : لا تضربه . فتقف يدي لا تتحرّك . فنظروا من الرّجل إذا هو فتح الموصلي ، فأطلقوه ، واعتذروا إليه ؛ لأنّهم لم يعرفوه « 3 » . وقال : من أدام الذّكر بقلبه ، أورثه ذلك الفرح بالمحبوب ، ومن آثره على هواه ، أورثه ذلك حبّه إيّاه ، ومن اشتاق إليه ، زهد فيما سواه « 4 » . وروي أنّه قيل له : إنّك تحسن الصّيد بالشّبكة ، فلم لا تصطاد لعيالك ؟
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 4 / 188 ، المختار 4 / 180 . ( 2 ) الرسالة القشيرية 549 ( الوصية للمريدين ) ، تهذيب الأسرار 403 ، المختار 4 / 181 . ( 3 ) الرسالة القشيرية 513 ( كرامات الأولياء ) ، المختار 4 / 175 . ( 4 ) تهذيب الأسرار 67 ، 68 ، وفي حلية الأولياء 8 / 293 ، والمختار 4 / 180 . تتمة الخبر : وزهد فيما سواه ، ورعى حقّه ، وخافه بالغيب ، ورّثه ذلك النظر إلى وجهه الكريم .