واضطرب ، ثمّ وثب وترك الحانوت مفتوحا ، ويأتي المسجد ، فإذا قضى صلواته ، يرجع إلى حانوته ، وقد سرق له السّكة ، أو الفأس ، أو المسحاة ، هكذا دائما ، فعاتبه بعض إخوانه ، وقالوا : لو اتّخذت غلاما يحفظ عليك الحانوت إذا قمت إلى الصّلاة . فقال : ليس على ما حفظ اللّه ضيعة .
وكان كثيرا يقول سالم الحدّاد لخشيش : ما تشتهي ؟ فيقول خشيش :
أشتهي أن لا يكون بأرض الموصل أهل بيت أفقر منّا ، ونرزق الصّبر على ذلك ، فنموت كراما ، ونحن عن اللّه راضون . فقال له سالم : تدري أيّ شيء اشتهيت ! ؟ ولاية الجبّار ، ومرافقة الأبرار ، ومن لا يشتهي الفقر يا خشيش والصّبر عليه ؟ فقال : ويحك يا سالم ، ربّما أصابنا من خفض العيش شيء ، فيبكي عيالنا ، ويقولون : يا أبة ، ما نرى هذا الخير يراد بنا ولا بك .
وكان خشيش صيادا ، فربّما مكث الأيام لا يصيد شيئا ، فيروح من العشيّ ، وبه من السّرور الظّاهر كأنّ قد جبي له خراج الجزيرة .
وكانوا يطوون اللّيالي الكثيرة بلا عشاء .
فاجتمعت أنا وهو مرّة وسالم بنينوى « 1 » ، فقلت له : أبا محمد ، بلغني أنّكم ربّما طويتم اللّيالي الكثيرة بلا عشاء . فسكت خشيش ، ولم يردّ علينا شيئا ، وغضب سالم فقال : مه ، وما عسى أن يكونوا يبيتوا طاويين ، فقد بات من هو خير منهم اللّيالي الكثيرة طاويا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأزوجه وأولاده ، فهل ذلك إلّا مدح لهم في الآخرة ؟ ثمّ قال : يا بن أخي ، فتريد أن يكون خشيش وأهله وعياله مثل البهائم ، همّتهم بطونهم وفروجهم ؟ !
وقال شعيب بن حرب : دخلت على فتح الموصلي أعوده وهو مريض ، فقلت له : يا أبا محمد ، أوصني . فقال : أليس الإنسان إذا منع من
هامش
( 1 ) نينوى : قرية يونس بن متى عليه السلام بالموصل . معجم البلدان .