وقال أحمد بن أبي الحواري : اشتهى أبو سليمان رغيفا حارّا « 1 » بملح ، فجئت به إليه ، فعضّ منه عضّة ، ثمّ طرحه ، وأقبل يبكي ، ويقول :
يا ربّ ، عجّلت لي شهوتي ، لقد أطلت جهدي وشقوتي ، وأنا تائب ، فاقبل توبتي . قال أحمد : ولم يذق الملح حتّى لحق باللّه تعالى « 2 » .
وقال : من لا يستصغر الدّنيا ، لا يستعظم الآخرة ، ومن صغّر المؤمن في عينه ، استخفّ بحرمته ، ومن لا يتلاشى في قلبه ذكر كلّ شيء بصفاء ذكر اللّه ، لم يجد صفوة لذّة ذكر اللّه ، ولا يجد سبيلا إلى طريق المحبّين الذين عقلوا عن اللّه .
وقال : لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلّا على ما فاته من لذّة الطّاعة في عمره ، لكان ينبغي أن يبكيه ذلك حتّى يخرج من الدّنيا « 3 » .
وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان يقول : مررت في جبل اللّكام باللّيل ، فسمعت رجلا يقول : سيّدي وأملي ومؤمّلي ، ومن به تمام عملي ، أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك ، وأعوذ بك من قلب لا يشتاق إليك ، وأعوذ بك من دعاء لا يصل إليك ، وأعوذ بك من عين لا تبكي عليك . فلمّا سمعته يقول : من عين لا تبكي عليك ، علمت أنّه عارف ، فقلت له : يا فتى ، إنّ للعارفين مقامات ، وللمشتاقين علامات .
قال : ما هي ؟ قلت : كتمان المصيبة ، وصيانة الكرامة . فقال : عظني . قال أبو سليمان : فقلت له : اذهب فلا ترد غيره ، ولا ترج سواه ، ولا تردّ خيره ، ولا تبخل بشيئه عنه . فقال : زدني . قلت : لا ترد الدّنيا ، واتّخذ الفقر غنى ، والبلاء من اللّه شفاء ، والتّوكّل معاشا ، واللّه لكلّ شدّة عدّة . ثمّ تركته ومضيت ، فإذا برجل نائم ، فركضته برجلي ، وقلت له : قم ، فإنّ
هامش
( 1 ) في ( أ ) : حلوا .
( 2 ) المختار 3 / 371 .
( 3 ) المختار 3 / 376 .