يطوفون بالبيت الحرام على صور شتّى ، لا يقطعون ذلك ، ولو أخبرت بكلّ ما رأيت لصغرت عنه عقول قوم ليسوا بمؤمنين . فقلت : أسألك إلّا أخبرتني بشيء من ذلك . فقال : ما من وليّ للّه صحّت ولايته إلّا وهو يحضر في هذا البلد ، في كلّ ليلة جمعة ، لا يتأخّر عنه ، فمقامي ههنا لأجل من أرى منهم ، ولقد رأيت رجلا يقال له مالك بن القاسم جبلي ، فسألته عن حاله ، ورأيت يده غمرة « 1 » ، فقلت له : إنّك قريب عهد بالأكل ؟
فقال : أستغفر اللّه ، فإنّي منذ أسبوع ما أكلت شيئا ، ولكن أطعمت والدي ، وأسرعت لألحق صلاة الفجر جماعة ، وبينه وبين البلد الذي جاء منه سبع مئة فرسخ ، فهل أنت مؤمن بذلك ؟ قلت : نعم . قال : الحمد للّه الذي أراني مؤمنا موقنا « 2 » .
وقال أبو سعيد صاحب سهل : بلغ أبا عبد اللّه الزّبيري ، وزكريا السّاجي ، وابن أبي أوفى أنّ سهلا يقول : أنا حجّة اللّه على الخلق ، وأنا حجّة عليكم ، فاتصل ذلك بهم ، وتواعدوا أن يخرجوا إليه ، فاجتمعوا عنده ، فأقبل عليه أبو عبد اللّه الزّبيري ، وكان جسورا ، لأنّه كان ضريرا ، فقال له : يا أبا محمد ، بلغنا أنّك قلت : أنا حجّة اللّه على الخلق ، فبماذا ؟
أنت نبيّ ، أو أنت صدّيق ، فبماذا استجزت « 3 » أن تقول هذا ؟ ! فقال سهل :
لم أذهب حيث يظنّ أنا نبيّ « 4 » ، ولكن إنّما قلت هذا لأخذي الحلال ، فتعالوا كلّكم بأجمعكم حتّى نصحّح الحلال ، فلا نأكل إلّا الحلال . فقال له الزّبيري : يا أبا محمد ، فأنت قد صحّحت الحلال ؟ قال : نعم ، أنا قد صححته ، فلا آكل إلّا حلالا . فقال له الزّبيري : كيف صحّحت الحلال ؟
فقال : قسمت عقلي ومعرفتي وقوّتي على سبعة أجزاء ، فأترك الأكل حتّى
هامش
( 1 ) الغمرة : زنخ اللحم ، وما يعلق باليد من دسمه . القاموس .
( 2 ) المختار 3 / 70 ، 71 ، طبقات الشعراني 1 / 78 .
( 3 ) في ( أ ) : استجرأت .
( 4 ) في ( أ ) : حيث يظن ، ليس أنا نبي ، وفي المختار : حيث تظن ، ليس أنا نبيا .