يصلّي ، فأبصرته ، ولم أتقدّم إليه ، ولا كلّمته ، ووقعت عليّ رعدة شديدة ، فنمت من ساعتي حتّى نبّهوني للصّلاة « 1 » .
وقيل له : يا أبا محمد ، هذا الذي يقولون : يكون الرّجل بالغداة بالبصرة ، وبالعشيّ بمكّة ؟ فقال : نعم ، للّه عباد هم على جنب ينامون ، يقولون : لا نحرّك جنبا إلّا لمصر ، أو إلى موضع كذا حيث يريدون .
وسكت ساعة ، ثمّ قال : أليس ترى الملوك لهم وزراء ووكلاء ، فإذا عرف واحدا منهم بالصحّة والنّصيحة وصدق النّيّة ، دفع إليه بمفاتيح خزائنه ، وقال له : اعمل ما شئت . فهو يعمل في مملكة صاحبه ما يريد ، كذلك العبد إذا أطاع اللّه فيما أمره به ، وفيما نهاه عنه ، واجتهد فيما يقرّبه إليه من طاعته . ثمّ قال : إنّكم غافلون ، وإنّ الدّنيا راحلة عنكم ، وأنتم منقلون عنها ، فتيقّظوا من رقدتكم ؛ فإنّ الأمر قريب ، ولعلّ القليل من أمركم إذا استقبلتم يزيل الكثير .
وقال : إنّ اللّه اصطنع إلى أوليائه ثلاث خصال : لا يطعمهم من حيث يطعمون ، ويشوّش عليهم تدبيرهم لأنفسهم ، ولا يظفر بهم عدوهم ، يريد بذلك أن لا يرجوا غيره ، ولا يخافوا سواه ، لأنّه البارّ بهم اللّطيف الكريم .
وقال : أيّها الناس ، ما لكم لا تقبلون حقّا ، ولا تكرهون باطلا ؟ ! قد اصطلحتم على المعاصي ، إنّ للّه يوما لا يقبل فيه إلّا الحقّ ، ولا يسمع فيه من مستغيث غياثه « 2 » ، فارغبوا إلى اللّه قبل الموت ، وراقبوه ، وتوبوا إليه ، واستغفروه ، إنّه قريب مجيب ، إنّه كان فيمن كان قبلكم رجل أسرف على نفسه في أمره ، ثمّ وافق اللّه ، فأذن له اللّه في الخروج طلبا للتوبة ، فلمّا كان في الطّريق لقيه ملك في صورة رجل ، فقال له : يا عبد اللّه « 3 » ، أين تريد ؟
فقال : أريد من أستشفع به إلى ربّي ، ليقبل توبتي . فقال له الملك : وأيش
هامش
( 1 ) المختار 3 / 56 .
( 2 ) في المختار : من مستعتب عتابه .
( 3 ) في ( أ ) : يا أبا عبد اللّه .