أخرج رغيفين يابسين ، فجلس وقال : ادن فكل . فأشفقت عليه أن أزاحمه ، فأكل ، ثمّ قام إلى شنّ « 1 » بجانب الدّار في يوم صائف ، فأخذ وشرب منه ، فقلت له : يا أبا سليمان ، لو أمرت من يبرّد لك هذا الماء .
فقال : أعلمت أنّ الّذي يبرّد له الماء في الصّيف ، ويسخّن له في الشّتاء لا يحبّ لقاء اللّه ؟ ! « 2 » .
وقال له رجل من عشيرته : أوصني . فدمعت عيناه ، ثمّ قال : يا أخي ، إنّما اللّيل والنّهار مراحل « 3 » ينزلها النّاس ، مرحلة مرحلة إلى آخر سفرهم ، فإن استطعت أن تقدّم في كلّ مرحلة زادا لما بين يديها فافعل ، فإنّ انقطاع السّفر قريب ، والأمر أعجل من ذلك ، فتزوّد لنفسك « 4 » ، واقض ما أنت قاض من أمرك ، فكأنّك بالأمر وقد بغتك ، وإنّي موصيك هذا « 5 » ، وما أعلم أحدا أشدّ تضييعا لذلك منّي ، ثمّ قام عنّي « 6 » .
ولما مات ، قام ابن السّمّاك على قبره ، فقال : يا داود ، كنت تسهر ليلك والنّاس نائمون ، فكنت تربح والنّاس يخسرون ، وكنت تسلم إذا النّاس يخوضون . حتّى عدّ أكثر فضائله ، والنّاس يصدّقونه على ذلك ، فلمّا فرغ قام ليذهب ، قام أبو بكر النّهشلي فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال :
يا ربّ ، إنّ النّاس قد قالوا ما عندهم ، ومبلغ ما علموه من حاله ، اللّهمّ فاغفر له برحمتك ، ولا تكله إلى عمله « 7 » .
وروي : أنّه خرج يتبع جنازة بالكوفة ، فجلس ناحية وهي تدفن ، فجاء
هامش
( 1 ) في ( أ ) : إلى بئر .
( 2 ) الحلية 7 / 345 ، المختار 2 / 283 . وللخبر تتمة فيهما .
( 3 ) في ( أ ) : منازل .
( 4 ) في حلية الأولياء 7 / 346 ، والمختار 2 / 283 : فتزود لسفرك .
( 5 ) في ( ب ) : وإني أوصيك بهذا .
( 6 ) حلية الأولياء 7 / 345 ، المختار 2 / 283 .
( 7 ) الحلية 7 / 340 ، المختار 2 / 289 .