ودخل عليه بعضهم ، فرأى جرّة ماء قد انبسطت الشّمس عليها ، فقال له : ألا تحوّلها [ إلى الظلّ ] ؟ فقال : حيث وضعتها لم تكن الشّمس ، وأنا أستحيي أن يراني اللّه ماشيا لما فيه حظّ نفسي « 1 » .
ودخل عليه رجل ، فجعل ينظر إليه ، فقال له : أما علمت أنّهم كانوا يكرهون فضول النّظر كما يكرهون فضول الكلام ؟ ! « 1 » .
وقال أبو الرّبيع الواسطي : قلت لداود الطّائي : أوصني . فقال لي :
صم عن الدّنيا ، واجعل فطرك الموت ، وفرّ من النّاس كفرارك من السّبع « 1 » .
وقال عبد اللّه بن صالح بن مسلم العجلي : دخلت على داود الطّائي في مرضه الذي مات فيه ، وليس في بيته إلّا دنّ مقيّر « 2 » ، وفيه خبز يابس ، ومطهرة ، ولبنه كبيرة على التّراب هي مخدّته ، وما فيه شيء غير ذلك قليلا ولا كثيرا « 3 » .
وقال قبيصة : حدّثني صاحب لنا أنّ امرأة من أهل داود صنعت ثريدة بسمن ، ثمّ بعثت بها إليه وقت إفطاره مع جارية لها ، قال : وكان بينه وبينها رضاع ، قالت الجارية : فوضعت القصعة بين يديه . قال : فقام إليها ليأكل منها ، فجاء السّائل فوقف على الباب ، فدفعها إليه ، وجلس معه على الباب ، حتّى أكلها ، ثمّ دخل فغسل القصعة ، ثمّ عمد إلى تمر كان بين يديه ، فوضعه في القصعة ، فدفعه إليّ ، وقال : أقرئيها السّلام . قالت الجارية : وذلك التّمر كان أعدّه لفطوره ، وما أظنّه بات إلّا طاويا « 4 » .
وروي : أنّه كان يخبز له في الشّهر ستون رغيفا ، ثمّ يعلقها بشريط ،
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 52 وما بين معقوفين مستدرك منها .
( 2 ) الدن المقير : الجرة الكبيرة المطلية بالقار وهو الزفت . القاموس . ( دنن . قير ) .
( 3 ) الحلية 7 / 348 ، المختار 2 / 283 .
( 4 ) الحلية 7 / 348 .