وقيل : سبب زهده أنّه سمع نائحة تندب ، وتقول :
بأيّ خدّيك تبدّى البلى * وأيّ عينيك إذا سالا « 1 »
وقيل : كان سبب زهده أنّه كان يجالس أبا حنيفة ، ويتفقّه عليه ، فقال له أبو حنيفة يوما : يا أبا سليمان ، أمّا الأداة فقد أحكمناها . فقال داود :
فما بقي ؟ قال : العمل . قال : فنازعتني نفسي إلى العزلة ، فقلت لنفسي :
حتّى أجالسهم ولا أتكلّم في مسألة . قال : فجالستهم سنة ، لا أتكلّم في شيء ، وكانت المسألة تمرّ بي ، وأنا إلى الكلام فيها أشدّ نزاعا من العطشان إلى الماء ولا أتكلّم ، ثمّ صار أمره إلى ما صار « 1 » .
وروي : أنّ جنيد الحجّام حجمه ، فأعطاه دينارا ، فقيل له : يا أبا سليمان ، هذا إسراف ! فقال : لا عبادة لمن لا مروءة له « 2 » .
وكان يقول في جملة دعائه باللّيل : إلهي ، همّك عطّل عليّ جميع الهموم ، وحال بيني وبين الرّقاد « 3 » .
وروي : أنّه كانت له داية تشفق عليه ، فقالت له يوما : أما تشتهي الخبز ؟ فقال لها : اعلمي أنّ بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية « 4 » .
وروي : أنّه لمّا مات ، رآه بعض الصّالحين في المنام وهو يعدو ، فقال له : ما لك ؟ فقال : السّاعة تخلّصت من السّجن . فاستيقظ الرّجل ، فإذا الصّياح قد ارتفع بموت داود الطّائي « 5 » .
وقال له رجل : أوصني . فقال : عسكر الموتى ينتظرونك « 5 » .
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 51 .
( 2 ) الرسالة القشيرية 52 .
( 3 ) الرسالة القشيرية 231 ( الحزن ) .
( 4 ) الرسالة القشيرية 52 .
( 5 ) الرسالة القشيرية 52 .