فبكى بعضهم ، وانتحب الآخرون ، ثمّ سكت القارئ ، فدعا الحارث بدعوات خفاف ، ثمّ قام إلى الصّلاة ، فلمّا أصبحوا ، قال أحمد : قد كان يبلغني أن ههنا مجالس الذّكر يجتمعون عليها ، فإن كان هذا من تلك المجالس ، فلا أنكر منها شيئا « 1 » .
وقال أبو العباس الهاشمي من ولد صالح بن المأمون : قال : دخلت على الحارث المحاسبي ، فقلت له : يا أبا عبد اللّه ، حاسبت نفسك ؟
فقال : هذا كان مرة . قلت : فاليوم ؟ فقال : أكاتم حالي « 2 » ، إنّي لأقرأ آية من كتاب اللّه ، فأضنّ بها أن تسمعها نفسي ، ولولا أن يغلبني فيها فرح ما أعلنت بها ، ولقد كنت ليلة قاعدا في محرابي ، وإذا أنا بفتى حسن الوجه ، طيّب الرّائحة ، فسلّم عليّ ، ثمّ قعد بين يدي ، فقلت له : من أنت ؟
فقال : أنا واحد من السيّاحين ، أقصد المتعبّدين في محاربهم ، ولا أرى لك اجتهادا ، فأيّ شيء عملك ؟ قال : فقلت له : كتمان المصائب ، واستجلاب الفوائد . قال : فصاح صيحة عظيمة ، ثمّ قال : ما علمت أنّ أحدا بين جنبي المشرق والمغرب هذه صفته . قال الحارث : فأردت أن أزيد عليه ، فقلت له : أما علمت أنّ أهل القلوب يحملون أحوالهم ، ويكتمون أسرارهم ، ويسألون اللّه كتمان ذلك عليهم ؟ فمن أين تعرفهم ؟
قال : فصاح صيحة غشي عليه ، فمكث عندي يومين لا يعقل ، ثمّ أفاق ، وقد أحدث في ثيابه ، فعلمت إزالة عقله ، فأخرجت له ثوبا جديدا ، وقلت له : هذا كفني ، آثرتك به ، فاغتسل ، وأعد صلواتك « 3 » . فقال : هات الماء . فاغتسل وصلّى ، ثمّ التحف بالثّوب ، وخرج . فقلت له : أين تريد ؟
فقال لي : قم .
هامش
( 1 ) المختار 2 / 146 .
( 2 ) في ( أ ) : أقول لك أتمّ حالي إلي إني .
( 3 ) في ( أ ) : صلاتك .