وسئل عن الصّبر ، فجعل يتكلّم فيه ، فدبّ على رجله عقرب ، وهي تضربه بإبرتها ضربات كثيرة ، وهو ساكن ، فقيل له : لم لم تنحّها عنك ؟
فقال : استحييت من اللّه أن أتكلّم في الصّبر ، ولم أصبر « 1 » .
وقال : إن الحياء والأنس يطرقان « 2 » القلب ، فإن وجدا فيه الزّهد والورع حطّا ، وإلّا رحلا « 3 » .
وروي أنّه قرئ بين يديه :
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
[ الإسراء : 45 ] ، فقال لأصحابه : أتدرون ما هذا الحجاب ؟ هو حجاب الغيرة ، ولا أحد أغير من اللّه تعالى . ومعنى حجاب الغيرة أنّه لم يجعل الكافرين أهلا لمعرفة صدق الدّين « 3 » .
وقال : كنت أطلب رجلا صدّيقا مدّة من الزّمان ، فمررت ببعض الجبال ، فإذا بجماعة زمنى « 4 » ، وعميان ، ومرضى ، فسألت عن حالهم ، فقالوا : ههنا رجل صدّيق ، يخرج في السّنة مرّة واحدة ، فيدعو لهم ، فيجدون الشّفاء . فصبرت حتّى خرج ، ودعا لهم ، فوجدوا الشّفاء ، فقفوت أثره ، فتعلّقت به ، وقلت له : بي علّة باطنة ، فما دواؤها ؟ فقال : خلّ يا سريّ عنّي ؛ فإنّه غيور ، لا يراك تساكن غيره ، فتسقط من عينه « 5 » .
وقال الجنيد : دفع إليّ السّريّ رقعة ، وقال : هذه لك خير من سبع مئة قصّة ، أو حديث تعلّقه « 6 » . فإذا فيها يقول « 7 » :
ولمّا ادّعيت الحبّ قالت كذبتني * فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا
هامش
( 1 ) تهذيب الأسرار 124 ، الرسالة القشيرية 291 ( الصبر ) .
( 2 ) في ( أ ) : في الأنس يطوفان . وفي الكواكب الدرية 1 / 621 : يرفرفان .
( 3 ) المختار 2 / 490 .
( 4 ) الزّمنى : أصحاب العاهات .
( 5 ) تهذيب الأسرار 79 ، المختار 2 / 481 ، وفيات الأعيان 1 / 358 .
( 6 ) في الرسالة : حديث بعلو .
( 7 ) الأبيات لقيس بن ذريح المجنون . انظر ديوانه صفحة 296 .