البيت أفضل من خروجي إلى المسجد ما خرجت ، ولو علمت أنّ انفرادي عنكم أفضل من جلوسي معكم ما جالستكم ، ولكنّي إن دخلت اقتضاني العلم لكم ، وإن خرجت نافرتني الحقيقة ، فأنا عند منافرتي مستحي ، وأنا عند اقتضاء العلم محجوج « 1 » .
وروي أنّ السّريّ لمّا ترك التّجارة ، كانت أخته تنفق عليه من ثمن غزلها ، فأبطأت يوما ، فقال لها : لم أبطأت ! « 2 » فقالت : لأنّ غزلي ما اشتري ، وذكروا أنّه مخلّط . فامتنع من أكل طعامها ، فدخلت عليه أخته يوما ، فرأت عجوزا تكنس بيته ، وقد حملت له رغيفين ، فحزنت ، وشكت إلى أحمد بن حنبل ، فقال أحمد ذلك للسري ، فقال : لمّا امتنعت من أكل طعام أختي ، قيّض اللّه لي الدّنيا لتنفق عليّ ، وتخدمني « 3 » .
وقال : اعتللت بطرسوس علّة الذّرب « 4 » ، فدخل عليّ ثقلاء القرّاء يعودوني ، وجلسوا ، فأطالوا ، فآذاني جلوسهم ، ثم قالوا : إن رأيت أن تدعو اللّه تعالى . فمددت يدي ، وقلت : اللّهمّ ، علّمنا كيف نعود المرضى « 5 » .
وقال أحمد بن خلف : دخلت يوما على السّريّ ، فقال لي : أعجّبك « 6 » من عصفور يجيء ، فيسقط على هذا الرّواق ، فأكون قد أعددت له لقيمة ، فأفتّها في كفّي ، فيسقط على أطراف أناملي ، فيأكل وينصرف ، فلمّا كان في وقت من الأوقات سقط على الرّواق ، ففتتّ له الخبز ، فلم يسقط كما
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 10 / 122 ، المختار 2 / 486 . وفيه : ولو علمت أن جلوسي معكم أفضل من جلوسي في البيت ما جلست .
( 2 ) في ( أ ) : ما أبطأك .
( 3 ) تهذيب الأسرار 367 ، المختار 2 / 480 .
( 4 ) الذرب : فساد المعدة . القاموس .
( 5 ) حلية الأولياء 10 / 122 ، المختار 2 / 486 ، نفحات الأنس 81 .
( 6 ) في الحلية : ألا أعجّبك .