كان يأتي البحر يخوضه برجليه ، فيحتطب السّاج « 1 » ، وكان أول من دلّ عليه وجلبه ، وكان يأخذ حوتا كبيرا من حيتان البحر بيده ، ويرفعه إلى عين الشّمس ، فيشويه ، ثمّ يأتي به مشويّا ، وكان التّجّار يعدّون له كرّين « 2 » من الدّقيق ، في كلّ يوم يخبز ملّتين « 3 » ، فيأكل ذلك أجمع ، ويدفع إليهم الحزمة من حطب السّاج ، فهذا كافر كان يطعمه اللّه في كلّ يوم كرّين من طعام ، وسمكة يعجز عنها جميع دوابّ البحر ، فكيف يضيّعك وأنت توحّده ، وقوتك رغيف أو رغيفان في كلّ يوم ؟ ! يا ويحك ، يقطع بينك وبين ربّك رغيف !
وقال : قال موسى عليه السّلام : يا ربّ ، أرني وليّا من أوليائك .
فأوحى اللّه إليه : اطلبه في خربة كذا وكذا . قال : فطلبه ، فرأى فيها عظام رجل أكلته السّباع ، فقال : يا ربّ ، ما أرى غير العظام ! فقال : هي عظام وليّ . قال : يا ربّ ، وأرسلت عليه السّباع ؟ ! قال : نعم ، وعزّتي ، ما أخرجته من الدّنيا مع ذلك إلّا جائعا ظمآن . قال : ولم ذلك يا ربّ ؟
قال : لمنزلته عندي ، ولو رأيت منزلته لزهقت نفسك شوقا إليها ، إنّي لا أرضى الدّنيا لوليّ من أوليائي « 4 » .
هامش
- قرار البحر ، فيشويه في عين الشمس ، وأنه قطع صخرة عظيمة على قدر عسكر موسى ، وأراد أن يرضخهم بها ، فقوّرها اللّه تعالى في عنقه مثل الطوق ، قال القاري : وليس العجب من جرأة مثل هذا الكذاب على اللّه ، وإنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم ولا يبين أمره . اه .
قال ابن كثير في البداية والنهاية 1 / 114 : قصة عوج بن عنق لا أصل لها . وهو من مختلقات الزنادقة أهل الكتاب .
( 1 ) السّاج : شجر عظيم يعظم جدا في الهند ، ويذهب طولا وعرضا ، وله ورق عظيم يتغطّى الرّجل بورقة منه ، فتكنه من المطر ، وله رائحة طيبة . اللسان ( سوج ) .
( 2 ) الكرّ : في المكيل يساوي 1670 كيلو غراما . متن اللغة ( كرر ) ، وانظر حاشية ص 156 .
( 3 ) الملّة الرماد الحار ، والحجر . ويقال : أكلنا خبز ملّة ولا يقال : أكلنا ملّة ، وملّ الشيء في الجمر : أدخله . اللسان ( ملل ) وفي ( ب ) : يختبزه مليين .
( 4 ) الحلية 8 / 351 .