وقال عباس بن دهقان : كنت عند بشر بن الحارث وهو يتكلّم في الرّضا والتّسليم ، فقال له رجل من المتصوّفة : يا أبا نصر ، انقبضت عن أخذ البرّ من أيدي الخلق لإقامة الجاه ؟ فإن كنت متحقّقا بالزّهد منصرفا عن الدّنيا ، فخذ من أيديهم لينمحي « 1 » جاهك عندهم ، وأخرج ما يعطونك إلى الفقراء ، وفرّقه عليهم ، وكن بعقد التّوكّل تأخذ قوتك « 2 » من الغيب . فاشتدّ ذلك على أصحاب بشر ، فقال له بشر : اسمع أيّها الرّجل الجواب ، اعلم أنّ الفقراء ثلاثة : فقير لا يسأل ، وإن أعطي لا يأخذ ، فذلك من الرّوحانيّين إذا سأل اللّه أعطاه ، وإن أقسم عليه أبرّ قسمه ، وفقير لا يسأل ، وإن أعطي أخذ ، فذلك أوسط القوم ، عقده التّوكّل والسّكون إلى اللّه ، وهو ممّن توضع له الموائد في حظيرة القدس يوم القيامة ، وفقير اعتقد الصّبر ، ومدافعة الوقت ، فإذا طرقته الحاجة ، خرج إلى عبيد اللّه ، وقلبه إلى اللّه بالسّؤال ، فكفّارة مسألته صدقه في السّؤال . فقال الرّجل : رضيت ، رضي اللّه عنك « 3 » .
وقال : بحسبك أنّ قوما موتى تحيا القلوب بذكرهم ، وأنّ قوما أحياء تقسو القلوب برؤيتهم .
وقال : ليس أحد يحبّ الدّنيا إلّا كره الموت ، وليس أحد يزهد في الدّنيا إلّا أحبّ الموت ؛ حتّى يلقى مولاه تعالى .
وقال : من أراد أن يلقّن الحكمة ، فلا يعصي اللّه تعالى « 4 » .
وقال : يا طالب العلم ، إنّما أنت متلذّذ تسمع وتحكي « 5 » ، إنّما يراد
هامش
( 1 ) في ( أ ) : لتنحّي ، وفي طبقات الصوفية : ليمتحي .
( 2 ) في ( أ ) : وكن بعقد توكل بأخذ قوتك .
( 3 ) طبقات الصوفية 47 ، المختار 1 / 465 .
( 4 ) حلية الأولياء 8 / 346 .
( 5 ) في الحلية : وتملي .