شديدا ، فأتيت معروف الكرخي ، فقلت له : يا أبا محفوظ ، غاب ابني محمد ، وأمّه عليه واجدة . فقال : ما تشاء ؟ فقلت : تدعو اللّه أن يردّه .
فقال : اللّهمّ ، إنّ السّماء سماؤك ، والأرض أرضك ، وما بينهما لك ، ائت بمحمد . قال خليل : ثمّ خرجت إلى باب الشّام « 1 » ، فإذا ابني محمد واقف ، فقلت : محمد ! قال : يا أبت ، السّاعة كنت في الأنبار « 2 » .
قال يعقوب ابن أخي معروف الكرخي : كان عمّي معروف مؤاخيا لصدقة بن إبراهيم ، والأسود بن سالم ، وكانا جميعا يودّانه مودّة صحيحة ، ويتجاريان عنده بالعلم والعمل ، فقالا لعمّي : إنّ بشر بن الحارث يحبّ أن يؤاخيك ، وهو يكره كثرة اللّقاء خوفا أن تجب لك عليه حقوق بحقّ الأخوّة ، فتعوده أو يعودك ، فإن أنت قبلته على أن لا تلتقيا إلّا للّه تعالى ، فاعقد ذلك له . فقال معروف : واللّه لوددت رجلا للّه تعالى ، ما أحببت أن أفارقه في ليل ولا نهار ، وأن أشركه في أعمالي كلّها من النّوافل ، ولو قسمت لي الجنّة ، لأحببت أن يدخله اللّه قبلي ، لأنّي إنّما أحببته للّه تعالى ، ومن أحبّ للّه ، وأبغض للّه تعالى فقد استكمل الإيمان ، وقد عقدت له الأخوّة كما قد سألتما كما عقد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لنفسه ولعليّ كرّم اللّه وجهه ، بدنياه ، وشاطره العلم ، وخصّه بأشياء خصّه بها جبريل عليه السّلام ، من الدّعاء ، والذّكر في الخلوة ، وأنا أوصيه باللّه تعالى إذا خلى باللّه بذلك ، واعلما « 3 » أنّ العلم إذا عمل به العالم ، استوت له قلوب المؤمنين ، وما أحبّ رجل رجلا للّه تعالى إلّا وجب على المحبوب الدّعاء له ، وإنّ العبد إذا صدق في سرّه لمن ودّه للّه ، أصلح اللّه سرّه وعلانيته ، ويشفع بعضهم في بعض ، وجعل ما أسكنه قلوبهم فيه نجاتهم ، وألهمهم الشّكر على إحسانه إليهم ، وعرّفهم أنّ ذلك منه ، فهم من أعمال الآخرة
هامش
( 1 ) باب الشام : محلة كانت بالجانب الغربي من بغداد . معجم البلدان .
( 2 ) الرسالة القشيرية 525 ( كرامات الأولياء ) . الحلية 8 / 362 . روض الرياحين الحكاية ( 309 )
( 3 ) في ( أ ) : واعلم .