في تمام ، ومن الدّنيا على رحيل ، ومن السّاعات على تفقّد ، فأيّ وقت أتاهم الموت لم تلحقهم حسرة إلّا على ما فاتهم من صحّة الأعمال .
وروي عن بعض جلسائه أنّه انصرف من عنده في شهر رمضان بعد صلاة المغرب ، قال : فجئته من الغد ، فقال لي : أيّ وقت بلغت منزلك ؟
قلت : لمّا « 1 » دخلت أفطرت . فقال : من أين لك ما أفطرت عليه ؟ فقلت :
لا أدري . فقال : لا تفطر على شيء حتّى تدري ، وإلّا فأفطر « 2 » ، فهو خير لك .
وقال : يقول اللّه تعالى في بعض الكتب : ابن آدم ، ما أجسرك ! تسألني فأمنعك ، لعلمي بما يصلحك ، ثمّ تلحّ عليّ في المسألة ، فأجود بكرمي عليك ( وكم من جميل أعطيك ! فأعطيك ) « 3 » ما سألتني ، فتستعين بما أعطيتك على معصيتي ، فأهمّ بهتك سترك ، فتسألني فأستر عليك ، ثمّ تعاود المعصية ، فأستر عليك ، فكم من جميل أصنعه بك ! وكم من قبيح تعمله معي ! يوشك أن أغضب عليك غضبة لا أرضى بعدها أبدا .
وقال : رأيت بالبادية شابا حسن الوجه ، له ذؤابتان حسنتان ، وعلى رأسه رداء قصب ، وعليه قميص كتّان ، وفي رجليه نعل طاق « 4 » ، قال معروف : فتعجّبت منه في مثل هذا المكان ، ومن زيّه ، فقلت له : السّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته . فقال : وعليك السّلام ورحمة اللّه ، يا عمّ .
فقلت له : يا فتى ، من أين ؟ فقال : من مدينة دمشق . قلت : متى خرجت منها ؟ قال : ضحوة النّهار . قال معروف : فعجبت ، وكان بينه وبين الموضع الذي رأيته فيه مراحل كثيرة ، فقلت له : وأين مقصودك ؟ « 5 » فقال :
هامش
( 1 ) في ( أ ) : كما .
( 2 ) كذا في الأصلين والمنتقى ، ولعل الصواب : وإلا فلا تفطر .
( 3 ) ما بينهما ليس في ( أ ) .
( 4 ) نعل طاق : نعل مصنوع من الطيلسان الأخضر . والطاق : ضرب من الملابس .
( 5 ) في ( ب ) : القصد .