أين الشموس التي كانت تطالعنا * والجوّ من فوقه لليل جلباب
وأين تلك الليالي إذ تلمّ بنا [ 1 ] * فيها وقد نام حرّاس وحجاب
تبدي إلينا لجينا حشوه ذهب * أنامل العاج والأطراف عنّاب
[ 27 أ ] وله وقد بات له الأسى ملء الجوانح ، وعوّض بالبارح من السانح :
خليليّ عوجا بي على مسقط الحمى [ 2 ] * لعلّ رسوم الدار لم تتغيرا
فاسأل عن ليل تولّى بأنسنا * وأندب أيّاما خلت ثم أعصرا [ 3 ]
ليالي إذ كان الزمان مسالما * وإذ كان غصن العيش ميّاس [ 4 ] أخضرا
وإذ كنت أسقى الراح من كفّ أغيد * يناولنيها رائحا أو مبكّرا
أعانق منه الغصن يهتزّ ناعما * وألثم منه البدر يطلع مقمرا
وقد ضربت أيدي الأمان قبابها * علينا وكفّ الدهر عنّا وأقصرا
فما شئت من لهو وما شئت من دد * ومن مبسم يجنيك عذبا مؤشّرا
وما شئت من عود يغنّيك مفصحا * « سما لك شوق بعد ما كان أقصرا » [ 5 ]
ولكنّها الدنيا تخادع أهلها * تغرّ بصفو وهي تطوي تكدّرا
لقد أوردتني بعد ذلك كلّه * موارد ما ألفيت عنهن مصدرا
وكم كابدت نفسي لها من ملمّة * وكم بات طرفي من أساها مسهّرا
خليليّ ما بالي على صدق نيتي * أرى من زماني ونية [ وتعذّرا ]
وو اللّه ما أدري لأيّ جريمة * تجنّى ولا عن أيّ ذنب تغيّرا
ولم أك في كسب المكارم عاجزا * ولا كنت في نيل أنيل مقصّرا
لئن ساء تمزيق الزمان لدولتي * لقد ردّ عن جهل كثير وبصرا
وأيقظ من نوم الغرارة نائما * وكسب علما بالزمان وبالورى
وله يأنف من المقام على ما رتب له من الإجراء ، ويكلف بالإدلاج والإسراء :
ذروني أجب شرق البلاد وغربها * لأشفي نفسي أو أموت بدائي
فلست ككلب السوء يرضيه مربض * وعظم ولكنّي عقاب سماء
وكنت إذا [ ما ] بلدة لي تنكّرت * شددت إلى أخرى مطيّ إبائي
هامش
[ 1 ] م : نهم بها .
[ 2 ] القلائد والخريدة : اللوى .
[ 3 ] القلائد والخريدة : أياما تقضت وأعصرا .
[ 4 ] القلائد والخريدة : فينان .
[ 5 ] صدر بيت لامرئ القيس ، وعجزه : وحلت سليمى بطن قو فعرعرا .