لهم بما خامر القلوب من هول سطوته ، ولا سيّما برابرة [ 1 ] العسكر لما أحلّ بهم من الذّلّ والقتل فدهشوا منه ، وقادهم مديدة قود الإبل المخطومة ، وأعدى عليهم الخصوم ، حتى صار أقلّ الرّعيّة يرفع أعتاهم إلى الحكّام بما شاء من وجوه الدّعاوى فتجري عليهم الأحكام ؛ فبرقت للعدل يومئذ بارقة خلّب لم تكد تقد حتّى خبت ، وتبيّن أنّ البرابر [ 7 ] أطوع خلق اللّه [ 2 ] لمن أخافهم . وجلس عليّ بنفسه لمظالم النّاس ، وهو مفتوح الباب ، مرفوع الحجاب ، للوارد والصّادر ، يقيم الحدود مباشرا بنفسه ، لا يحاشي أحدا من أكابر قومه . فانتشر أهل قرطبة / في الأرض ذات الطول والعرض [ 3 ] ، وسلكت السبل ورخا السّعر ، وأرقوا الأغذية وشاموا النّساء وطلبوا النّسل ، وكان أكثرهم يقول بالعزلة ، واتّخذوا الحلواء على طول عهد بها ، ورجوا الإقالة فخانهم الأمل عما قليل ، وارتكسوا في المحنة .
ومن بعض ما جرى في مجلس له من مباشرته [ 4 ] إقامة الحدود بنفسه ، وجلوسه حيث لم يجلس قط خليفة أنّه قدّم إليه عصابة من البرابر الأكابر في جرائم تجاوزت حدّ النّكال ، فأمر بضرب أعناقهم [ 5 ] ، وعشائرهم ينظرون خفوة لا ينبسون [ 6 ] ، ولا يجسرون عليه في شفاعة . وبهذا المجلس وشبهه ما فتن أهل قرطبة بابن حمود أشدّ فتنة .
وخرج يوما على باب عامر فالتقى بفارس من البرابر قدّامه حمل عنب ، فاستوقفه وقال له : من أين لك هذا العنب ؟ قال : أخذته كما يأخذ الناس ؛ فأمر بضرب عنقه ، ووضع رأسه وسط الحمل ، وطيف به البلد كله . وكلّ أفعاله كانت حسنة عند الرّعيّة إلى أن أوقّعهم في أعظم بليّة .
وكان عليّ بن حمود تلقّاعة ، شديد الإصابة بعينه [ 7 ] ، لا يكاد / يفتح عينيه على شيء يستحسنه إلّا أسرعت الآفة إليه ؛ وله في ذلك نوادر عجيبة ، ولربّما قال
هامش
[ 1 ] ط : بربر .
[ 2 ] ط : أطوع البشر .
[ 3 ] سقط في ط من هذا النص قوله : « وهو مفتوح الباب » ، « للوارد والصادر » ، « في الأرض ذات الطول والعرض » مما يشير إلى طبيعة هذه النسخة التي تعتمد الإيجاز كثيرا وبخاصة إن كان النص منقولا عن ابن حيان ؛ وعلى هذا سأقلل من الإشارة إلى ما ينقصها في سائر الكتاب ، اقتصادا واكتفاء .
[ 4 ] ط : مباشرة .
[ 5 ] س : رقابهم .
[ 6 ] ط : ينتسبون .
[ 7 ] ط : بعينيه .