تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
عمايته وغياطله ، واستخذى لحقّ مولاه باطله ، وكان حريّا أن تئيم حلائله ؛ وأوهم أنه لو ظلّت بين منازل النّجوم نوازله ، لرأى أنّها عقّالاته لا معاقله [ 1 ] ، فرمى بيده صاغرا إلى السّلم ثقة بعفو كظلّ المزنة الممدود ، وكرم كشطّ اللّجّة المورود . فلو لا حلم كالجبال رصين ، وجود كالسحاب هتون ، لبادوا خلال تلك الدّيار ، كما بادت جديس في وبار ، ولنغلت تلك المنازل نغل الجلد ، ومحّت كما محّت وشائع من برد [ 2 ] . وما دلّاهم في غدرهم الذي غدروا ، وغرّهم في خترهم الذي ختروا ، إلّا العلم بأن سوف يعفو حين يقتدر ، فقد اعتصموا / بحبل معتصم بخالقه ، وتوكّلوا على رزق متوكّل على رازقه ، واستوثقوا من عقد من لا عقاله بأنشوطة ، ولا ميثاقه بأغلوطة . وفي فصل : فيا أيّها المغترّون بخلقه الفضفاض ، وكرمه الفيّاض ، لا يجهلنّكم تحلّمه ، ولا يغرّنّكم تكرّمه ، فالبحر قد تردي غواربه وليس بطام ، والعارض قد تصيب صواعقه وليس بركام ، والنّصل قد يبري وهو غير مؤلّل [ 3 ] ، وأين نار ليس لها شرار ، وأين [ 4 ] خمر ليس لها خمار ؟ فهو جدب وربيع معرق ، وليل ونهار مشرق ، فيه الصّاب والعسل ، وفيه السهل [ 5 ] والجبل ، له خاطر على خواطر الحوادث مرسل ، وطرف بأطراف البلاد موكّل . فأنّى بعناد من تميد الأرض إذا وجم [ 6 ] ، ويرقّ نسيم الهواء إذا ابتسم ؟ فلم يجتمع لملك - حاشاه - خضاب الصّوارم ، واجتناب المحارم ، قسم العدل بين البدو والحضر ، كقسمة الغيث بين النّبت والشّجر ، فلا غرو أن يفوق جميع الأنام وهو من الأنام ، فإنّ المسك بعض دم الغزال [ 7 ] ، وإنّ معدن الذّهب
هامش
[ 1 ] نثر هنا أبياتا لأبي تمام ( ديوانه 3 : 27 ، 28 ) :وكم ناكث للعهد قد نكثت به * أمانيه واستخذى لحقك باطله إذا مارق بالغدر حاول غدرة * فذاك حري أن تبين حلائله وإن يبن حيطانا عليه فإنما * أولئك عقالاته لا معاقله[ 2 ] من قول أبي تمام ( ديوانه 2 : 109 ) :شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي * ومحت كما محت وشائع من بردوالوشائع : خيوط الثوب ؛ ومحت : أخلقت . [ 3 ] مؤلل : محدد . [ 4 ] ب م : وأي . [ 5 ] ط : السهب . [ 6 ] ط : رجم . [ 7 ] من قول المتنبي ( ديوانه : 258 ) :
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 569 | ابن بسام / إحسان عباس / إحسان عباس