جماعة ، ولا تجاوزت دعوته قرطبة . وكان سنّه يوم قتل ثلاثا وعشرين سنة .
وكان [ 1 ] على حداثة [ 2 ] سنّه ذكيا يقظا لبيبا أديبا حسن الكلام جيّد القريحة مليح البلاغة يتصرّف فيما شاءه من الخطابة بديهة ورويّة ، ويصوغ قطعا من الشّعر مستجادة .
وقد اقتضب بحضرة الوزراء في أيّامه عدة رسائل وتوقيعات لم يقصّر فيها عن الغاية ، يزين ذلك بطهارة أثواب وعفّة وبراءة من شرب النّبيذ سرّا وعلانية . وكان في وقته نسيج وحده ، ختم به فضلاء أهل بيته النّاصريّين ، فلم يأت بعده مثله .
وهذه جملة ما وجد له من شعره : من ذلك قصيدة كتب بها إلى مشنف [ 3 ] زوج سليمان بن الحكم ، أيّام خطب بنتها من سليمان المسمّاة حبيبة [ 4 ] فلوته ؛ وكان بقلبه من هذه الابنة مكان لنشأتهما معا في ذلك الأوان ؛ يقول فيها [ 5 ] :
وجالبة عذرا لتصرف رغبتي * وتأبى المعالي أن تجيز لها عذرا
يكلّفها الأهلون ردّي جهالة * وهل حسن بالشّمس أن تمنع البدرا
وما ذا على أمّ الحبيبة إذ رأت * جلالة قدري أن أكون لها صهرا
جعلت لها شرطا عليّ تعبّدي * وسقت إليها في الهوى مهجتي مهرا
تعلّقتها من عبد شمس غريرة [ 6 ] * محدّرة من صيد آبائها غرّا
حمامة عشّ [ 7 ] العبشميّين رفرفت [ 8 ] * فطرت إليها من سراتهم صقرا
لقد طال صوم الحبّ عنك فما الذي * يضرّك منه أن تكوني له فطرا
وإنّي لأستشفي بمرّي [ 9 ] بداركم * هدوءا وأستسقي لساكنها القطرا
وألصق أحشائي ببرد ترابها * لأطفئ من نار الأسى بكم جمرا
فإن تصرفيني يا ابنة العم تصرفي * - وعيشك - كفأ مدّ رغبته سترا
هامش
[ 1 ] انظر البيان المغرب 3 : 139 ، وأعمال الأعلام : 134 ، والحلة السيراء .
[ 2 ] الحلة والبيان : حدوث .
[ 3 ] الحلة : شنف ؛ ط : منتف .
[ 4 ] ط : جليبة .
[ 5 ] وردت القصيدة في الحلة ، وبعض أبياتها في الجذوة ومنها بيتان في نقط العروس ( رسائل ابن حزم 2 : 66 ) .
[ 6 ] ط : عزيزة .
[ 7 ] البيان ، س ب : بيت ؛ ط : عيش .
[ 8 ] نقط : جمامة بيت العبشميين حلقت .
[ 9 ] الحلة : لما بي .