يومئذ من أهل العلم والأدب لدينا ، فلم أظفر منه إلّا بما لا قدر له ، لزهد من قبلنا قديما وحديثا في هذا الفن ، ونفيهم له عن أنواع العلم . وانثنيت خائبا خجلا ألوم نفسي على التقصير ، وأحدوها بالأمل ، وأعذر من قال : « هممت ولم أفعل » [ 1 ] ؛ وشرعت في التقييد غبّ ذلك التفنيد ، غير مخلّ به ، / ووصلت القول فيما فاتني قبل من ذكر انبعاث تلك الفتنة ، وأخبار ملوكها ، ومشهور حروبها ، ممّا أصبت به عندي تذكرة ، أو أخذته عن ثقة ، أو وصلتني به مشاهدة ، أو حاشته إليّ مذاكرة ؛ حتّى نظمت أخبارها إلى وقتي مكمّلة ، وجئت بها على وجوهها ، وأوردتها على سبوغها ؛ ناشرا مطاويها ، ومعلنا بخوافيها ، غير محاب ولا حائف في الصّدق عليها ، سالكا سبيل من ائتسيت به من مستأخري أصحاب التّاريخ بالمشرق ، كأبي محمّد الحصني ، وأبي بكر ابن القوّاس القاضي ، والفرغاني [ 2 ] ، ونظائرهم من أعلام الفقهاء الذين لحقوا الفتنة الحادثة عندهم بالمشرق بعد الثّلاثمائة ، من تصريحهم بأخبار أمرائهم المتوثّبين على المملكة عند وهن متقلّدي الخلافة فيهم . فلأمر ما اعتنوا بذكر أخبار الأعاجم هناك من الدّيلم والأتراك ، مع عدم الفائدة فيها وتفشّي العار بوجوهها ، وبعدها ممّا كتبه من قبلهم من أخبار ملوك العرب صدر الإسلام لفظا ومعنى ، وعقدا ومبنى ؛ حتّى توسّعوا في ذكرها ، وتناعوا في التّنقير عنها . وإنّ ذلك لا محالة كان لاستغرابهم شأنها ، وإكبارهم مجيء الزّمان بمثلها ، وإشارتهم إلى أنّها طرقت هادمة لما بنته الدّنيا ، مغيّرة لمحاسنها ، مزهّدة فيها ، مؤذنة بانقطاعها ، كي يكون البقاء لمن تفرّد بجبروته ، ويدوم البهاء لمن لا تتسلّط الغير على ملكوته .
/ فركبت سنن من تقدّمني فيما جمعته من أخبار ملوك هذه الفتنة البربرية ، ونظمته وكشفت عنه وأوعيت فيه ذكر دولهم المضطربة ، وسياساتهم المنفّرة ، وأسباب كبار الأمراء المنتزين في البلاد عليهم ، وسبب انتقاض دولهم ، حال فحال بأيديهم ، ومشهور سيرتهم وأخبارهم ، وما جرى في مددهم وأعصارهم ، من الحروب والطوائل ، والوقائع
هامش
[ 1 ] من قول ضابئ بن الحارث البرجمي :هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله[ 2 ] كان عبد اللّه بن أحمد الفرغاني ( - 362 ) مؤرخا ، وله كتاب يعد صلة على تاريخ الطبري ( انظر ترجمة الطبري عند ياقوت ) وكان ابنه أبو منصور أحمد بن عبد اللّه ( - 398 ) مؤرخا كذلك ، وله تاريخ وصل به تاريخ والده ، وعنه ينقل ابن خلكان في مواضع ( راجع فهرست وفيات الأعيان ) وله أيضا سيرة كافور وسيرة جوهر ( ابن خلكان 5 : 416 ) وسيرة العزيز ( معجم الأدباء 3 : 105 ) .