فله الأسماء الحسنى ، والمثل الأعلى ؛ خلق الإنسان علّمه البيان ، وأجرى بيده فلك القلم العظيم الشّأن ، فعلّمه ما لم يعلم ، وأشهده ما لم يحضر ، وكرّر عليه نبأ ما لم يلحق من القرون الماضية ، والأمم البائدة ؛ وأراه سبيل منقلبهم عن هذه الدّنيا الفانية ، التي استعمرهم فيها قرنا بعد قرن ليبلوهم فيما آتاه ، فتهافتوا في شهدها ، وتهالكوا كالأذبّة عليها ؛ لا الآخر بما انتهى إليه عن الأوّل معتبر ، ولا الغابر بما مرّ على الماضي مزدجر ، حكمة بالغة فيما تغني النّذر ، إذ كلّ مقدّر [ 1 ] كائن ، وكلّ مربوب مسخّر .
وبعض لفظه في هذا الأصل محلول ، من قول القائل حيث يقول :
ترحا لدار إنّما * سكّانها رفق مخبّه
دار غريب خيرها * وترى الشّرور بها مربّه
أدوت وغاب دواؤها * عن كلّ نفس مستطبّه
وصفت محبّة أهلها * منها لمدغلة مضبّه
لم يدر فيها حلوها * من مرّها إلّا الألبه [ 2 ]
فتهافتوا في شهدها * وتهالكوا مثل الأذبّه
وله من رقعة [ 3 ] :
وبعد ، فإنّي امرؤ يسّرت لطلب هذا الخبر ، واقتفاء هذا الأثر ، أحرس شارده ، وأقيّد نافره ؛ وأبيت بأبوابه ، وأنصب لطلابه ؛ فشغلت به دهرا ، وفجرت منه نهرا ، صيّرني تربا لعدنان ، وزماما على الحدثان ، أقصّ أنباءه ، وأضرب أمثاله ، وأحصي وقائعه ، وأحترز مواعظه . وأنسأتني المدّة إلى أن لحقت بيدي منبعث هذه الفتنة البربريّة الشّنعاء المدلهمّة ، المفرّقة للجماعة ، الهادمة للمملكة المؤثّلة ، المغربة الشأو على جميع ما مضى من الفتن الإسلامية ، ففاضت أهوالها تعاظما أدلهني عن تقييدها ، ووهّمني ألّا مخلص منها ، فعطّلت التاريخ إلى أن خلا صدر منها ، نفّس الخناق ، وبلل الرماق ؛ فاستأنفت من يومئذ تقييد ما استقبلته من أحداثها ؛ فأنعمت البحث عن ذلك عند من بقي
هامش
[ 1 ] ب م : مقدور .
[ 2 ] ط : ألبة .
[ 3 ] انفردت ب م بهذه الرسالة والتي تليها .