تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
فتمخّضت عن الفاقرة الكبرى ، وآلت بمن [ 1 ] أتى بعدها إلى ما كان أعضل وأدهى ، ممّا طوى بساط الدّنيا ، وعفّى رسمها ، وأهلك أهلها . / ولمّا تمّت بيعته نفذت عنه كتب إلى نواحي الجزيرة بخبر فتحه قرطبة ، وكانت موشّحة بما توشّح به كتب الفتوح الإسلامية على أهل دار الحرب : من وصف حال القهر ، وشدّة السّطوة والاقتدار على الفتك والاستباحة ؛ فأفرط في ذلك إرهابا للناس بذكره ، وتخويفا لهم من مثله ؛ فكان أجلب لنفار القلوب ، وقرف الندوب [ 2 ] ، وبعث الشرود ، ونبش الحقود ، لما وتر جميعهم بالحادثة في قرطبتهم ؛ فاستشعروا بغضه ، وانقادوا لكلّ من عانده وردّ أمره ، من عبد أو حرّ ، فزعا إليهم منه ، ويأسا من خير يجيئهم من برابرته ؛ فكان ذلك سببا في تفريق البلاد وتملّك أصحاب الطّوائف . قال ابن حيّان : وتسمّى لوقته من الألقاب السلطانية بالمستعين باللّه ، وانتقل إلى مدينة الزّهراء بجملة جيشه ، رجاء أن يحسم عن أهل قرطبة معرّتهم ، فضاقت الزّهراء عنهم ، فنزلوا بما يتّصل بها من منازل الناس ، ونزل ابنا حمّود : عليّ والقاسم ، قائدا فرقة المغاربة ، بشقندة [ 3 ] ؛ وامتحن هشام المؤيّد باللّه مع سليمان عند دخوله القصر ؛ فقيل إنه قضى عليه ، وقيل إنه فرّ من يديه . وكان هشام - عندما رآه من اضطراب أمره ، وتيقّنه من انصرام دولته ، بما مني به قديما وحديثا ، من تمالؤ بني عمّه آل الناصر عليه ، وقيامهم واحدا بعد واحد في خلعه - صيّر إلى عليّ بن حمّود ولاية عهده ، وأوصى إليه بالخلافة من بعده ، / وراسله بذلك إلى سبتة ، أيّام تردّده عليها [ 4 ] ، بمعنى الاستمداد ، وجمعه طوائف البرابرة للجهاد ، وولّاه طلب ذحله [ 5 ] ، واستكتمه السّرّ فيه إلى أوانه ، وبلوغ زمانه ؛ هائجا للحفائظ القرشيّة ، ومحرّكا للطّوائل الطالبيّة ؛ فرماهم يومئذ
هامش
[ 1 ] ط : وآلت من التي . [ 2 ] قرف الندوب : قشرها بعد أن تيبس ، والندوب : الجروح ؛ وفي هامش ط : أظنه الذنوب ، وهو وهم . [ 3 ] شقندةL ( Secunda ) Lأحد أرباض قرطبة ( انظر : الروض المعطار : 127 من الترجمة الفرنسية ومادة شقندة في الموسوعة الإسلامية ) . [ 4 ] كان تملك علي بن حمود لسبتة عقب شهر شوال سنة 400 إذ انتزى فيها باسم المستعين ( البيان المغرب 3 : 96 ) . [ 5 ] ط : دمه .