وفي العتاب [ 1 ] : أظلم لي جوّ صفائك ، وتوعّرت عليّ أرض إخائك ، وأراك جلد الضمير على العتاب ، غير ناقع الغلّة من الجفاء . فليت شعري ما الذي أقسى [ 2 ] مهجة ذلك الودّ ، وأذوى [ 3 ] زهرة ذلك العهد ؟ عهدي بك وصلتنا تفرق من اسم القطيعة ، ومودّتنا تسمو [ 4 ] عن صفة العتاب ونسبة الجفاء ؛ واليوم هي آنس بذلك من الرّضيع بالثّدي ، والخليع بالكأس . وهذه ثغرة إن لم تحرسها المراجعة ، وتذك فيها عيون الاستبصار ، توجّهت منها الحيل على هدم ما بنينا ، ونقض ما اقتنينا ، وتلك ناعية [ 5 ] الصّفاء ، والصّارخة بموت الإخاء .
لا أستبدّ - أعزّك اللّه - من الكتاب إليك ، وإن رغم أنف القلم ، وانزوت أحشاء القرطاس ، وأخرس [ 6 ] فم الفكر ، فلم يبق في أحدها إسعاد لي على مكاتبتك ، ولا بشاشة عند محاولة مخاطبتك ، لقوارص عتابك ، وقوارع ملامك ، التي قد أكلت أقلامك ، وأغصّت كتبك ، وأضجرت رسلك . وضميري طاو لم يطعم تجنّيا عليك ، ونفسي وادعة / لم تجن ذنبا إليك ، وعقدي مستحكم لم يمسسه وهن فيك . وأنا الآن على طرف من إخائك [ 7 ] معك ، فإمّا أن تدلي [ 8 ] بحجّة فأتنصّل عندك ، وإمّا أن تنبئ [ 9 ] بحقيقة فأستديم خلّتك ، وإمّا أن تأزم على فأسك [ 10 ] فأقطع حبلي منك . كثيرا ما يكون عتاب المتصافيين حيلة تسبر المودّة بها ، وتستثار دفائن [ 11 ] الأخوّة عنها ، كما يعرض الذّهب على اللّهب ، وتصفّى [ 12 ] المدام بالفدام ، وقد يخلص الودّ على العتب خلوص [ 13 ] الذّهب على
هامش
[ 1 ] انظر : المغرب : 88 ، والعطاء الجزيل : 28 ، ونهاية الأرب 7 : 307 .
[ 2 ] ب م : أقصى ؛ وفي النهاية والعطاء : أقصى بهجة .
[ 3 ] ب م والعطاء والنهاية : وأذبل .
[ 4 ] النهاية : تسأل .
[ 5 ] النهاية : نائحة .
[ 6 ] النهاية : وأجرّ .
[ 7 ] النهاية : على طرف الإخاء .
[ 8 ] النهاية : تبهرني .
[ 9 ] النهاية : تفي .
[ 10 ] النهاية : يأسك ( وهو خطأ ) .
[ 11 ] ب م : دقائق .
[ 12 ] في الأصل : وتصفق ، والتصويب عن نهاية الأرب .
[ 13 ] في الأصل : خلاص .