سياسته خرقاء ، وعين حزامته [ 1 ] عوراء ، وقدم مداراته شلّاء ، لأنه مال عن ترغيبك فلم ترجه ، وعن ترهيبك فلم تخشه ، فأدّتك حاجتك إلى طلاب الطعم [ 2 ] الدّنيّة ، وقلّة مهابتك إلى التّهالك على المعاصي الوبيّة . وقد رأينا أن نظهر فضل سيرتنا فيك ، / ونعتبر بالنّظر في أمرك ، فمهّدنا لك الترغيب لتأنس إليه ، وظللنا لك الترهيب لتفرق منه ، فإن سوّت الحالتان طبعك ، وداوى الثقاف والنار عودك ، فدلك بفضل اللّه عليك ، وبإظهاره حسن السّياسة فيك ؛ وأمان اللّه لك مبسوط منّا ، ومواثيقه بالوفاء لك معقودة علينا ، وأنت إلى جهتك مصروف ، وبعفونا والعافية منّا مكنوف ، إلّا أن تطيش الصّنيعة عندك ، فتخلع الرّبقة وتمرق من الطّاعة ، فلسنا بأوّل من بغي عليه ، ولست بأوّل من بدت [ 3 ] لنا مقاتله من أشكالك إن بغيت ، وانفتحت لنا أبواب استئصاله من أمثالك إن طلبت .
أمان غريب [ 4 ] الصنعة : أمّا بعد ، فإنّكم سألتم الأمان أوان تلمّظت السيوف إليكم ، وحامت المنايا عليكم ، وهمّت حظائر الخذلان أن تفرج [ 5 ] لنا عنكم ، وأيدي العصيان أن تتحفنا بكم . ولو كلنا لكم بصاعكم ، ولم نرع فيكم ذمّة اصطناعكم ، لضاق عنكم ملبس الغفران ، ولم ينسدل عليكم ستر الأمان . ولكنّا علمنا أنّ كهولكم الخلوف عنكم [ 6 ] ، وذوي أسنانكم المعاصين [ 7 ] لكم ، ممّن يهاب وسم الخلعان ، ويخاف سطو السلطان ، وأنّهم لا يراسلونكم في ميدان معصية ، ولا يزاحمونكم منهل حيرة ، ولا يماشونكم إلى موقف وداع نعمة . ولولا تحرجنا [ 8 ] أن نقطع أعضادهم [ 9 ] بكم ، ورجاؤنا أن يكون العفو على / المقدرة تأديبا لكم ، لشربت دماءكم سباع الكماة ، وأكلت لحومكم ضباع الفلاة .
وقد أعطيناكم بتأميننا إيّاكم عهد اللّه تعالى وذمّته ، ونحن لا نخفرهما أيّام حياتنا إلّا أن تكون لكم كرّة ، ولغدرتكم ضرّة ، فيومئذ لا إعذار لكم ولا إقصار عنكم ، حتى تحصدكم ظباة السيوف ، وتقتضي ديون أنفسكم غرماء الحتوف .
هامش
[ 1 ] النهاية : حراسته .
[ 2 ] النهاية : المطامع ( اقرأ : المطاعم ) .
[ 3 ] ب م والنهاية : تراءت .
[ 4 ] ب م : أمان آخر ؛ وانظر المغرب ؛ 88 حيث نقل هذا الأمان .
[ 5 ] المغرب : تنفرج .
[ 6 ] ب : عليكم ملتقى .
[ 7 ] ب م : المعالين ( اقرأ : القالين ) ؛ المغرب : العاصين .
[ 8 ] ط : تحوجنا .
[ 9 ] ب م : أعضاءهم .