بفضله ، أجلّ فائدة يصطفيها ، وأكرم نفيسة يقتنيها .
وأصل اصطفائنا لتلك الضّيعة وسائر أخواتها أنّ المنصور - رضي اللّه عنه - استعمل أبي عبده على تلك الجهة الشرقيّة تسعة أعوام توالت بتدمير وبلنسية ، فلمّا سئم العمل خاطبه برقعة يقول [ 1 ] فيها :
إنّ كبير حق المولى لا يذهب بصغير حقّ العبد ، ولي حرمة أدلّ [ 2 ] بها ، وذمّة أنبسط لها ، وقد طالت عليّ الغربة ، وسئمت الخدمة ، ومللت من النعمة ، فالإدالة الإدالة ، فأداله - رضي اللّه عنه - على رضاه ، وأشخصه إليه على هواه ، فورد قرطبة بأربعمائة ألف دينار ناضّة ، ومائة ألف من ذهب آنية ، ووثائق خمسمائة زوج [ 3 ] مكتسبة ، ومائتي نسمة من رقيق الصّقلب منتقاة [ 4 ] ، والسّعر إذ ذاك بها سام جدا ، ونفقة أبي رأس كل شهر سبعون مديا من قمح ، وعلف ثمانين دابّة من شعير . فكتب إليه يعرض عليه ما جاءه [ 5 ] به ، ويحكّمه فيه ، ويسأله أخذه ، أو الأخذ منه ، فجاوبه يقول : لو أردنا أخذ ما أعطيناك ، ما قدّمناك ، ونحن نخاف أن تستصفي نفقتك ما استقته ، وتأتي على ما اجتلبته ، بارتفاع ثمن الطّعام ، وأنّك لم ترد منه على ذخيرة ، وقد صككنا لك / بألفي مدى بشطرين من قمح وشعير تستظهر بهما على زمانك ، فاقبضها من أهراء فلانة لقربها من مكانك ، إن شاء اللّه .
مكرمة - أعزّ اللّه المؤتمن - لم تعهد لغير عامريّ ، ولا سمع بمثلها لغير معافريّ .
ولمّا عزّ الخطاب ، ووقع الكتاب ، وكان عبدك منسوبا إلى شيء من نظم الكلام ، قال على كلّة الذهن وفلّة الغرب بالحال ، وشغل البال ، ما علم وفهم [ 6 ] :
ما الرياح بجوّ عاصم * فحلبن أخلاف الغمائم
يقول فيها :
هامش
[ 1 ] ط : قال .
[ 2 ] ط : أدلي .
[ 3 ] الزوج من البقر أو البغال المتخذة للحرث ؛ ثم تكون دلالة اللفظة على مقدار من الساحة .
[ 4 ] ط : ومنتقاه .
[ 5 ] ط : جاء .
[ 6 ] الديوان ( يعقوب زكي ) : 155 ويضاف إلى مصادر تخريجها الوافي 7 : 146 . ومنها ثلاثة أبيات في معاهد التنصيص 3 : 72 .