في طلب راحته ، والشّغف بزيّ دنياه ، والكلف بزخرفها ، والتّهالك في حبّها ، على أضلع ما كان عليه من تفرّد بشأنها ، فاتّخذ الجواري الحسان ، وملاح الغلمان ، فجلب إليه كل علق خطير ، وحصل عنده من كلّ ما وصفناه كثير .
وكان لأوّل ولايته قد ساس عظماء الإفرنج وهاداهم حوطا للثّغر وأهله ، وتأنّيا للجماعة حتى تثوب لأهل الإسلام ، يناهضون بها عدوّهم . وكان رؤساء الجلالقة يومئذ ريمند الجلّيقيّ وشانجه القشتليّ ، فسلك معهما سبيل الاسترضاء ، والموافقة والاستخذاء ، فحفظت أطرافه وكفّت المعرّة عن عمله . وربما أوقع ببعض أصاغر القوامس في أطرافهم وسبى منهم ، وريمند وشانجه باقيان على / معاقدته إلى أن مضى بسبيله ، والثّغر مسدود لا ثغرة فيه ولا وهي في حاله . وبلغ من استمالة الحاجب منذر لهذين الطاغيتين أن أجريا تصاهرهما على يديه ، وكتب عقد النّكاح بينهما بحضرة سرقسطة في حفل من أهل الملّتين ، فقرفت الألسنة منذرا لسعيه في نظم سلك الطّاغيتين لما فيه من سوء العاقبة . وقد قيل إنّ رأي منذر كان في ذلك أحصف ، من رأي من قدح فيه وقرف [ 1 ] ، لنظره في شأن وقته ، وعلمه بانصداع عصا أهل كلمته ؛ فآثر من الموادعة ما ستر به العورة ، وشراه بغليظ [ 2 ] الكلفة ، واختدع به عظيمي الجلالقة ريمند وشانجه المحدّثين أنفسهما يومئذ بمناهضة أهل الأندلس ، فألهاهما عن الحرب وحبّب إليهما الدّعة . وأعقب [ 3 ] الحاجب منذر أهل الثغر في مغبّة ذلك عاجل السّلامة ، واستظهروا به على العمارة ، فحيوا وعاشوا في نعمة ضافية ، وعيشة راضية ، لم يتغيّر به عنهما حال ، إلى أن ألوت بمنذر المنية ، وقد اعترف الناس لرأيه ، وأقروا بسياسته ، ولم يأت بعده من يسدّ مسدّه ، ولم ينفع اللّه الطاغيتين بصهرهما الذي كانا عقداه للتّآلف على المسلمين [ 4 ] ، إذ أعجل عنه شانجه بن غرسية شيطانهم الرجيم ، وهو أميرهم ريمند [ 5 ] ظهير المذكور ، وابنه بعده ؛ فشتّت اللّه شمل تلك الطّواغيت يومئذ وكفى المسلمين شرّهم برحمته ، واشتمل منذر على قوّاد تلك الثّغور ، واستوسقت له هنالك الأمور ، / واستكتب عدّة
هامش
[ 1 ] ط : وقرفه .
[ 2 ] البيان : وسدها بيسير .
[ 3 ] ط : واعتقب .
[ 4 ] ط : عقداه بحضرة منذر .
[ 5 ] ط : وهوى أثره ريمنده .