كأنّها راحة تشير ، وعطارد لنا بالطّرب بشير ، فلمّا كان من الغد وافيت الرّئيس أبا عبد الرحمن زائرا ، فأفضنا « 1 » في الحديث حتّى أفضى بنا إلى ذكر متنزّهنا في أمس ، وما نلنا به من الأنس ، فقال لي : وما بهجة « 2 » / موضع قد بان قطينه [ 59 / و ] وذهب ، وسلب الزّمان بهجته وانتهب ، وباد فلم يبق إلّا رسمه ، ومحاه الحدثان فما يكاد يلوح وسمه « 3 » ؟ عهدي به عندما فرغ من تشييده ، وتنوهي في تنميقه وتنضيده ، وقد استدعاني إليه المنصور بن أبي عامر ، في يوم حلّت فيه الشمس بيت شرفها ، واكتست الأرض بزخرفها ، فحللت به والدّوح تميس معاطفه ، والنّور يخجله قاطفه ، والمدام تطلع به ، وتغرب ، وقد حلّ فيه قحطان ويعرب « 4 » ، وبين يدي المنصور مائة غلام ما يزيد أحدهم على العشر غير أربع .
ولا يحلّ غير الفؤاد من مربع ، وهم يديرون رحيقا خلتها في كئوسها درّا وعقيقا .
فأقمنا والشّهب تغازلنا ، وكأنّ الأفلاك منازلنا ، ووهب المنصور في ذلك اليوم ، ما يزيد على عشرين ألفا من صلات متّصلات ، وإقطاع ضياع ، ثمّ توجّع لذلك العهد ، وأفصح له بما بين ضلوعه من الوجد ، وأنشد « 5 » :
سقيا لمنزلة الحمى « 6 » وكثيبها * إذ لا أرى زمنا كأزماني بها
هامش
( 1 ) ر : فأفضينا .
( 2 ) ط : وما بهجة ذلك الموضع وقد بان قطينه .
( 3 ) ط : فلا يلوح إلّا وسمه .
( 4 ) قحطان : هو قحطان بن عامر بن شالح بن أرفخشذ بن سالم بن نوح : أصل العرب القحطانية ، وأبو بطون حمير ، وكهلان ، والتبابعة ، واللخميين والغساسنة ، ( معجم قبائل العرب : 940 ) .
ويعرب : هو يعرب بن قحطان بن عابر ، أحد ملوك العرب في جاهليتهم الأولى ، وأكثر النسّابة يذهبون إلى أنه أول من تكلم بالعربية ، وإنه إنما سمّي بذلك لإعرابه عن المعافي ( التنبيه والإشراف : 70 ) .
( 5 ) ر س ع : فقال .
( 6 ) ر ب ق ع : اللّوى .