كانت تنظر من قبل ، فأبصرت الإبل مقبلة ، ومعها قصير قد تقدّمها ، فنظرت إلى الإبل تكاد تسوخ قوائمها في الأرض من ثقل أحمالها ، فقالت :
ما للجمال مشيها وئيدا * أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا مصمدا عتيدا * أم الرّجال جثّما قعودا « 104 »
فلمّا دخلت الإبل المدينة ، وعلى الباب بوّابون من النّبط ، وفيهم واحد معه منخسة ، فطعن بها الجوالق التي تليه ، فأصابت خاصرة الرجل الذي فيها ، فضرط ، فقال البواب بالنّبطية : الشرّ الشرّ « 105 » .
فلمّا توسطت الإبل المدينة وأنيخت ، تقدّم قصير فدلّ عمرا على باب النّفق ، وأوقفه عليه . وقد حلّت الرجال الجواليق وخرجت منها ، فصاحوا بأهل المدينة ، ووضعوا فيهم السّلاح ، وعمرو قد وقف على باب النّفق ، مصلتا السيف . وأقبلت الزّبّاء مبادرة تريد النّفق ، فعرفته بالصّفة ، فمصّت فصّ خاتمها ، وكان مسموما ، وقالت : بيدي لا بيدك يا عمرو ، فجلّلها عمرو بالسيف ، فقتلها ، وأصاب من أصاب من أهل المدينة ، واستباح بلدها ، وانكفأ راجعا إلى العراق . وبقي الملك في آل لخم بعد جذيمة .
وسمّيت الزّبّاء لأنها كانت كثيرة شعر البدن ، والأزبّ : الكثير الشعر ، وبه سمّيت . ويقولون : حرب أزبّ « 106 » ، يريدون التفاف القنا ، جعلوه كالشّعر على البدن .
ويقال إن جذيمة ورّث ملكه بني أخته ، وأوّلهم وارثا له عنه عمرو بن عديّ بن ربيعة بن نصر بن عمرو بن الحارث بن غنم بن نمارة بن لخم بن عديّ بن الحارث بن
هامش
( 104 ) الصّرفان : ضرب من التمر . ورؤية البيت الثالث في الطبري 1 / 625 ولسان العرب ( صرف ) : أم صرفانا باردا شديدا . ولم يذكر الطبري البيت الرابع . وفي أمثال الميداني 1 / 246 أن قصيرا لما سمع قول الزباء قال في نفسه : بل الرجال قبضا قعودا . وهذا أصح .
( 105 ) في الطبري 1 / 625 : فقال البواب بالنبطية : بشتا بسقا ، يعني بقوله : بشتا بسقا : في الجوالق شر .
( 106 ) كذا في ( أ ) و ( ب ) وينبغي أن يقال : حرب زبّاء ، لأن الحرب مؤنثة .