وإن سليمة ، بينا هو ذات يوم في جاسك إذ ذكر أرض عمان وانفراده عن إخوته وقومه ، وما كان فيه من العزّ والسلطان ، فأنشأ يقول :
كفى حزنا أنّي مقيم ببلدة * أخلّاي عنها نازحون بعيد
أقلّب طرفي في البلاد فلا أرى * وجوه أخلّائي الذين أريد
ثم إنه رحل من برّ جاسك حتى نزل أرض كرمان ، فأقام بها عند بعض ملوك أهلها ، وانتسب إليهم ، وقال : إني رجل من أهل بيت كان لنا الملك في العرب ، وكان لأبي عدّة من الولد ، وكنت أنا أقربهم إليه وأحبّهم ، فحسدني إخوتي مكاني من أبي ، وكان ذلك سبب قتل أبي على يدي ، ثم إنه أخبرهم بقصّته وأمره . وقال : إنّي قدمت إلى هذه البلاد مستجيرا بأهلها ، ومستعديا بهم . وقد رجوت اللّه أن يمنّ عليّ بجوارهم ، ويشدّ أزري بمكانهم .
فلمّا انتسب إلى أهل كرمان ، وعرّفهم قصّته ، وما كان من أمره ، عرفوه وتبيّنوا موضعه ومكانه وشرفه من آبائه ، فأنزلوه وأكرموه وأعجبهم ما رأوا من فصاحته وجماله وكمال أمره فرفعوا قدره وأكرموا منزلته ، وزوّجوه بامرأة من كرائم نسائهم .
ويقال إن سبب تزويجهم إيّاه أنّ سليمة لمّا قدم إلى أرض كرمان وانتسب إلى أهلها وملوكها ، وعرفوا موضعه وشرفه من آبائه وقومه ، أرادوا أن يزوّجوه بامرأة من بنات بعض ملوكهم . وكان الملك إذ ذاك على أرض كرمان ، حين قدم سليمة إلى أرضهم ، بعض ولد دارا بن دارا بن بهمن .
وكانوا قد كتموا مجيء سليمة وقدومه عليهم ، مخافة أن يعرض له ، بسبب ما كان من أبيه مالك بن فهم وأخيه جذيمة الأبرش إلى ملوك فارس . وكان ملكا جبارا كثير العسف والظلم لأهل مملكته وقومه ، وكان قد بلغ من أمره أنه ما زفّت عروس إلى بعلها حتى يؤاتى بها إليه ، فيصيبها قبله ، وإلّا قتل بعلها وبدّد أهلها . فكان ذلك دأبه في أهل كرمان إلى أن قدم عليهم سليمة بن مالك ، فرأى ما يصنع الملك عندهم ، وشكوا