أنا السّمع الأزلّ فلا أبالي * ولو صعبت شناخيب العقاب
فلا ظمأ يؤخّرني وحرّ * ولا خمص يقصّر من طلابي « 1 »
فقال الغلامان : يا أبانا ، واللّه رآنا فأفلتنا ، ولن يعود إلينا ، فامض بنا . فقال الشيخ :
يا رآكما ، وإنّما هذا منه حدس وخداع ، اثبتا موضعكما ، فإنّه سيعود . فثبتا . وعاد يعدو مبادرا وهو يقول :
يا صاحبيّ هل الحذار مسلّمي * أم هل لحتف منيّة من مصرف
إني لأعلم أنّ حتفي في التي * أخشى لدى الشّرب القليل للنزفى « 2 »
ثم هجم على الماء يشرب . ورآه القوم ، فلمّا همّ بالخروج رماه أحدهم بصخرة على هامته ، فأصدره في القليب ، ثم قفز فتعلّق برجل أحدهم ، فجرّه معه في القليب ، فقتله . وترامى إليه الآخر ، فضرب شمال الشنفرى ، فقطعها ، وسقطت في القليب ، فسقط معها ، فتناولها ورمى بها بعضهم ، فأصاب كبده ، فخرّ معه في القليب ، فوطئ الشّنفرى على صدره ، فدقّ عنقه . ثم إنّهم اجتمعوا عليه من كل ناحية ، فقال بعضهم :
استبقوه ، فإنّما هو رجل منكم ، ولعلّه إن مننتم عليه يشكر ذلك ، ويترك غاراته عليكم . فسمع قولهم ، فقال : يا معشر الأزد ، قد أخذتم ثأركم بقطع يدي . فقالوا :
ويلك ، وهل في قطع يدك [ بواء ] على كثرة ما قتلت منّا ؟ فقال : نعم ، بعدد كل أنملة وعضو وعرق وعصبة وعظم في بدني ثأر رجال منكم ، وإني لأعلم أنّكم غير تاركيّ للؤمكم ، وبه سلّطت عليكم ، ثم لم تأخذوا بثأركم منّي ، وأنا الذي أقول :
ومن يك مثلي يلقه الموت خاليا * من المال والأهلين في ظهر فدفد « 3 »
ألا ليت شعري أي ذحل يصيبني * وأيّ ذنوبي تلقني وهو موعدي « 4 »
هامش
( 1 ) الشناخيب ج شنخوب : أعلى الجبل . العقاب ج عقبة : الطريق في الجبل . الخمص : الجوع .
( 2 ) شعر الشنفرى ص 116 .
( 3 ) الفدفد : الفلاة والأرض الغليظة ذات الحصى .
( 4 ) الذحل : الثأر .