فأقام [ الشنفرى ] يومه وليله ظمآن ، ثم مرّ بامرأة يمانية « 1 » ، وهو متلثّم ، وفي يده بعض نبله ، فلما نظرت إلى النبل عرفته ، لأن أفواقها كانت من قرون وعظام ، وكانت معروفة . فاستدعى القرى ، فأطعمته أقطا وتمرا ، ليزداد عطشا ، واستسقاها فسقته رائبا ، فزاده عطشا . فقالت له : الماء منك على بعد ، وأومأت له إلى جبل بعيد المطمع ، ليتوهّمه ويزيده عطشا . فلمّا ولّى أتت قومها ، فوصفت لهم صفة نبله ، فعرفوه ، وقالوا :
هذه صفة الشنفرى .
واشتدّ بالشنفرى العطش ، فأرسل القوم إلى صاحبهم أسيد بن جابر الغامدي : لا تبرح من مكانك ، فإنّ الشنفرى يجول حولك ، ولا بدّ أن يرد .
واشتدّ به العطش ، فأقبل بالليل يريد الماء ، وقد خلع إحدى نعليه ، وشدّها على قلبه ، مخافة من سهم يأتيه ، وجعل يضرب الأرض بنعله ويمشي بالأخرى حافيا . فسمع الغلامان حسّه فقالا : يا أبانا الضّبع . ولرجل الضّبع تقبّض إذا خطت . فقال أبوهما :
كلّا ، بل هو الخبيث يلبس علينا .
فلمّا قرب الشّنفرى توجّس فوقف يحدّ النظر ، يمينا وشمالا ، ويستنشق الريح ويقول :
أونس ريح الموت في المكاسر * لا بدّ يوما من لقا المقادر
هيّا أروني أسد بن جابر * بنبعة وأسهم طوائر
ومرهف ماضي الشّباة باتر * وابناه في الزّبية والثجائر
أخطأت ما أمّلت يا ابن الغادر * لست بوارد ولا بصادر « 2 »
ثم نكص راجعا ، يضحك ويدهدي الصخور . حتى إذا كان بأسفل الوادي رفع عقيرته يغنّي - يعني رفع صوته - وهو يقول :
هامش
( 1 ) في الأصول : ثم مرّ له ثائرا له ثانية ، فأثبت ما يقتضيه السياق ، وهذا الخبر لم يرد بنصه هذا في المصادر التي ترجمت الشنفرى ، فكان لا مفر لي من الاجتهاد في ضبط بعض الألفاظ .
( 2 ) النبعة : السهم يتخذ من النبع ، وهو شجر صلب . الثجائر ج ثجرة : وسط الوادي ومتسعه .
( اللسان ) .