وقائدهم يومئذ قطريّ بن الفجاءة ، وكانوا في زهاء ألف ، مقنّعين بالحديد والدّروع والبيض ، لا يبصر منهم إلّا الحدق . فلقيهم على الجسر ، وناوشهم الحرب ، حتى أزالهم عن الجسر . وكان جلّ أصحابه رجّالة ، وترجّل المهلّب عن دابّته ، وترجّل جميع أولاده بين يديه ، وأخذ المهلّب لواءه بيده ، وتقدّم إلى القوم وهو يقول :
إنّ على كلّ رئيس حقّا * أن يخضب الصّعدة أو يندقا
وكانت عليه وعلى أصحابه ردعة « 3 » ، ثم منحه اللّه أكتافهم ، فأكثروا فيهم القتل .
وكان المهلّب ، لمّا نزل إلى الأزارقة ، ضرب حول سرادقه اثني عشر سرادقا لبنيه ، وقد فرض على كلّ رجل منهم يوما يلي القتال فيه بنفسه وبأصحابه ، دون إخوته . فخرج مدرك في قومه وزاخر « 4 » ، وبين يديه أهل عمان ، وهو يقول :
قل للأزارق مدرك إن جاها « 5 » * هو الذي بسيفه أفناها
هو الذي لحتفكم أتاها * هو الذي يصليكم لظاها
أو يفن من بلاده أسواها « 6 » * كما صلّى من قبلكم أشقاها
فخرج عليه عمرو القنا « 7 » ، فهزم الناس حتى أفضى بالهزيمة إلى المهلّب ، ففحص « 8 » الجيش ، فقال مدرك لأبيه : دعهم فليغلبوا على ما غلبوا عليه ، فإنهم يرضون منّا بأوّل ما يصيبون منّا ، فإذا رجعوا حملت عليهم . فقبل المهلّب رأيه ، لمعرفته بابنه ، وكان كثيرا ما يقبل من رأي أولاده ، على معرفته بأمور الحرب ، فكان يتيمّن برأي أولاده ، فتهيّأ لهم مدرك في خيله ، فقتل منهم قتلا ذريعا ، وحمى مدرك الناس ونزع مغفره ، فرمى به ،
هامش
( 3 ) ردعة : أي نكسة وتقهقر .
( 4 ) زاخر : فاخر .
( 5 ) جاها : أراد : جاءها .
( 6 ) رواية هذا الشطر في الأصول : أو يفني من بلاده سراها فأثبت ما بدا لي أنه الصواب ، وأسواها مخففة من أسوئها . وأرى أن البيت الأخير ينبغي أن يقدم على البيت الذي قبله .
( 7 ) انظر خبر المهلب وعمرو القنا في الطبري 5 / 621 .
( 8 ) فحص الجيش : أي تفرق ، وفحص الظبي : عدا عدوا شديدا . ( اللسان ) .