الناس ، فيقتل ويجرح ويسبي . فندب الحكم الناس إلى الساقة ، فلم يجبه إلى ذلك أحد غير المهلّب ، فإنّه لمّا رأى تقاعد الناس ، وأنّ العدوّ قد انتهز الفرصة ، فجعل يصيب في الناس ، لعدم وجود الساقة والمحامي في أعقاب الناس ، دعا المهلّب نفسه أن يكون صاحب السّاقة ، فعقد له وجعله على السّاقة ، ثم إنّ المهلّب دعا جماعة اختارهم من العسكر أن يكونوا حلفاءه وثقاته فيما يعوّل عليهم فيه ، فأجابه منهم من أخيار العسكر جماعة ، وكان فيمن أجابه قطريّ بن الفجاءة ، وكان لا يكاد يفارق المهلّب في مغازيه . فلم يزل المهلّب يحمي الناس في السّاقة ، فإذا مرّ برجل حمله ، أو جريح فعل به مثل ذلك وعالجه ، حتى سلم الناس وعادوا بالسّلامة . . .
فبلغ معاوية خبر المهلّب ، وما فعل عند الناس ، وعنده سعد بن أبي وقّاص ، فقال سعد : اللهمّ لا تره ذلّا أبدا ، وأكثر ماله وولده . فيقال إنّ المهلّب نال ما نال ، على طول ممارسته الحروب مع الخوارج والمشركين ، وكثرة ظفره وفتوحاته ، ونموّ ولده ، بدعوة علي بن أبي طالب ودعوة سعد ، وكان سعد مستجاب الدعوة ويسمّى المستجاب ، من بين أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . ويقال إنّ المهلّب لم يمت حتى ركب معه من ولده ، وولد ولده ، وإخوته وأولادهم ثلاثمائة وخمسون راكبا ، وإنه لم يبتل بذلّ من عدوّه إلى أن مات .
قال ولم يكن في وقت المهلّب في جميع العراق وقبائل العرب رجل يفي به في الحزم والعلم والصّدق والأمانة والوفاء والرّواية للحديث ، والخطابة والبلاغة والشعر والبيان الذي ليس في الأرض مثله . وكان أجمع الناس للخصال المحمودة للرّجال . ومن كمال عقله أنه لم يحضر في فتنة قطّ . وكان أكثر وصاياه لأولاده بلزوم الطّاعة ، ولم يطعن عليه في سبّ ، ولم يسابّ أحدا في شبيبته ، ولم يسبّ أحدا في كهولته ، إلّا مرّة واحدة ، قال لخالد بن ورقاء : يا ابن اللخناء « 1 » .
هامش
( 1 ) في الأصول : يا ابن الخنا ، والخنا : الفحش في القول ، والصواب ما أثبته ، وهو ما يستعمل في