يخلط بهم في غزوهم هذا غيرهم . فلمّا أن تحصّلوا بجزيرة بر كاوان ، وكان من أمرهم ما كان ، واتّصل خبرهم بالملك يزدجرد ، بعث إليهم شهرك في أربعين ألفا ، ويقال في ثلاثين ألفا من الأساورة والمرازبة وأجلّاء العجم ، في عدة من السّلاح والآلة الكاملة ، فبلغ ذلك عثمان بن أبي العاص ، فخرج في لقائهم . فقالت الأزد : إنّا لا نخرج في قتال هؤلاء المشركين ومعنا من غير قومنا أحد ، فأخّر عثمان عبد القيس بجزيرة بر كاوان ، وخرج بقبائل الأزد ومن كان معه من قومهم ، فالتقوا بموضع يعرف بنابيجان ، وكان عدد الأزد ثلاثة آلاف رجل ، منهم ألفان من أزد عمان ، وألف واحد من أزد البحرين . فاقتتلوا قتالا شديدا ، وثبتت الأزد حتى هزم اللّه تعالى العجم ، واستباحهم المسلمون ، فقتل شهرك ، وانهزم المشركون . وكانت العرب تدعو شهرك ابن الحميراء ، وكان الذي قتل شهرك أبو صفرة ظالم بن سرّاق ، وأشركه ناب بن ذي الجرّة الحميريّ . وكان ناب - فيما يزعمون - هو الذي حمل على شهرك ، فطعنه وأرداه عن ظهر دابته إلى الأرض ، وأردفه أبو صفرة وجابر بن حديد اليحمدي ، فاشتركوا في قتله ، وفي ذلك يقول بعض الشعراء :
ناب بن ذي الجرّة أردى شهركا * والخيل تجتاب العجاج الأرمكا « 1 »
ويقال إن ناب بن ذي الجرّة لما قتل شهرك أخذ منطقته ، فحملها إلى عثمان بن أبي العاص ، فنحله ونفله إيّاها وخصّه بها ، فيقال إنها بيعت بالبصرة بأربعين ألفا . وبلغنا عمّن يصدّق ، ممّن شاهد الوقعة ، أنّ المسلمين لمّا استباحوا العجم ، وقتلوا شهرك ، وجدوا في جملة رحالهم من حبال الشّعر السّود شيئا كثيرا ، قال : فدعا عثمان بعض الأسارى من العجم ، فقال : اصدقني عن هذه الحبال ، لما ذا استكثرتم منها ؟ فقال : إنّ يزدجرد الملك أمرنا بالاستكثار من حبال الشّعر لنشدّ بها العرب ، قال : وكان يظنّ أننا منصورون لا محالة ، ظافرون بكم .
قال : فلمّا ظفرت الأزد بشهرك خافتهم العجم وانتشرت أخبارهم ، وقويت
هامش
( 1 ) في الطبري 4 / 176 أن الذي ولي قتل شهرك هو الحكم بن أبي العاص الثقفي .